النكبة.. عندما تتجلط الذاكرة ..!!

 المقال يعبر عن رأي كاتبه

بقلم / أكرم عطا الله                                 

لماذا يصلبنا التاريخ على خشبة مسيح الخلاص الذي طال انتظاره؟ لماذا يستهدفنا وحدنا ويصب جام غضبه علينا بلا توقف؟ فقد طالت الرحلة التي أدمت أقدامنا وقلوبنا بالشوك المزروع في كل دروب العودة وتباعدت المسافات بيننا وبين وطن وأرض ومدن لازالت تنتظر رغيف خبزنا ودقة أقدامنا منذ الرحيل الأول عندما غادر أهلنا محملين بما فاض من حنين لكل شيء هناك، لشجرة التين ،  للبيت القديم ،  للتنور،  للبئر،  للصخور،  للحكايات القديمة وصوت البلابل،  لليلة صيف وقمر يتدلى من بين الدوالي وموجة بحر داعبت حلمنا ذات مرح طفولي، لقطرة ندى ترقص على ورقة التوت،  لكل ما فينا من عشق متقد يسافر عبر الزمن ولا ينطفيء.

في كل موسم نكبة يندلق الحنين محملاً بذاكرة مثقلة بالوجع لوطن منزوع لكنه مزروع في كل المسامات والمساحات التي امتدت شاهدة على بشاعة الجريمة،  كيف يلقى الأطفال من أسرتهم على صدور الأمهات الباحثات عن طريق للهروب ؟ وهناك من نسى أطفاله لفظاعة اللحظة والرجال الذين بكوا لحظة العجز،  كنت أقرأ تجاعيد وجه جدي وأعرف أن الزمن حفر في قلبه تجاعيد أكثر اتساعاً،  كنت أسأله بغضب لماذا هربتم؟

أنا نادم على أسئلة البراءة التي كانت ترش ملحاً على جرحه المفتوح دون أن أدرك حينها أن لوثة التاريخ كانت قد بلغت ذروة جنونها كأن على ذلك الجيل وأحفاده أن يدفع ثمن جريمة هتلر وأن يعيد تصحيح ما فعله فريدناند وأن يعقد هدنة مع بنوخذنصر، كأن عليه أن يقلب هرم التاريخ على رأسه وأن يهدي قطعة الأرض الجميلة ليوشع بن نون.

كانت مزحة التاريخ معنا ثقيلة عندما غافله بلفور ذات ليلة فقدت عقلها وكانت الرشوة من أرض وحنين أصابت ذاكرتنا بعطب لم ترممه السنين فتوقف عندها حاملاً ما تمكن من الذكريات التي تناقلتها الأجيال وديعة ومفتاح دار يقاوم الصدأ لأن صرير أبوابها يرتل آيات من الشوق الطاهر التي لم تلوثه مزامير داوود،  اسألوا المفاتيح ستقول كل الحكاية فهي ليست قطع من الحديد بل من لحم ودم وأيادي كانت تسبح باسم الوطن.

زهرة الحنون وشقائق  النعمان وما فاض من الوديان وصبايا يتمايلن عند الغدران قبل أن يأتي الذئب ويغفو حارس الضمير الانساني غفوته الطويلة،  هل من غفوة تستمر تسعة وستون عاماً ؟ أحن الى كل شيء الى بلاد ولدتني لأكون كما أنا،  الى شطآن غازلت تلك المدن الجميلة فأنجبتني أنا وأبي وجدي أحلم بها في ذروة الافاقة فللأوطان طعم ولون ورائحة لم تتوقف عن الفوح والبوح بضعف العاشقين لها.

في كل ذكرى نكبة وفي كل نكبة يشي القلم والقلب بما لدينا من فائض حنين يكفي لحرق صخور الصبر التي نبتت على جسد المدن ، يمضي العمر انتظاراً فيما لم تتوقف الرماح عن الطعن من كل الجهات ولم تتوقف مناشير شاؤول عن تقطيع أرضنا ولأن هذا العالم الجبان أصيب بكل العاهات وتحول دفعة واحدة الى أعمى وأصم وأبكم تجاه الأنين المنبعث منذ سبعة عقود من شعب أصابه الاعياء من  تجسيد دور الضحية على مسرح التاريخ العابث.

لقد تعبنا من هواء يخنق حلمنا ومن ظلم أصبح صديق سيرتنا الدائم ورفيق دربنا بلا نهاية ومن عبث الأخوة الألداء مما فعلوه بنا من كل هذه السخرية حين تقاتلوا واكتفوا من  الغنييمة حتى بلا اياب ولا عودة ولا دولة سوى ظاهرة صوتية تتسع مع كل اخفاق وكل انكسار وكل عجز بات هو المشهد الطاغي على دفاتر يومياتنا الممزقة.

لن نكف عن الحلم واستيلاد الأمل لأنه زادنا الوحيد على هذه الأرض فالذاكرة من لحم ودم توقفت عند كل فواصل الزمن الذي استدرجنا لنكون الطريدة في عالم الغاب بلا رحمة أتعبها الهروب وأتعبها الرحيل ولكنها لم تكف عن الأمل ولن تتوقف عن الحلم بوطن سيكون يوماً لأننا لسنا استثناء،  ولسنا من هوامش التاريخ ولا قضيتنا أرنب حاوي خرج من كمه،  قصتنا صدر حيفا وجبهة يافا وغابات كرمل ورمل شواطيء وعريشة عنب وكل شيء .التاريخ يسير للأمام واِن تعثر أو تخثر  لكنه يستانف في اتجاه واحد 

متعلقات