حتى لا يصبح قطاع غزة عبئًا وطنيًا

بقلم: د. إبراهيم أبراش

ما وصل إليه الحال في قطاع غزة من صيرورته كيانًا منفصلًا ومحاصرًا وخارج سياق منظمة التحرير والمشروع الوطني وحكومة التوافق، والتقارير الدولية التي تقول بأن القطاع أصبح منطقة غير صالحة للحياة البشرية، كلها أمور مُخطط لها ويُراد لها أن تكون كما يأمل المخططون: أن يتحول قطاع غزة من قلعة للثورة والصمود إلى عبء على الحالة الوطنية.

كان قرار إسرائيل بالانسحاب أو الخروج من داخل قطاع غزة في خريف 2005 يرمي لتحقيق أربعة أهداف استراتيجية:

1- التخلص من قطاع غزة بما يمثله من كتلة سكانية الأكثر كثافة في العالم.

2- فصل القطاع عن الضفة لقطع الطريق على إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 1967.

3- توظيف ما يجري في قطاع غزة من تصعيد عسكري وافتعال حروب متكررة عليه والصراع على السلطة بين الفلسطينيين بعد الانسحاب، كملهاة ولجذب الأنظار حتى تتفرغ إسرائيل لعمليات الاستيطان والتهويد في القدس والضفة.

4- كسر صمود قطاع غزة وخنق حالة المقاومة فيه من خلال الحصار وما سيترتب عليه من فقر وبطالة وأزمة كهرباء ومياه الخ.

ما يُحزن وما يثير الغضب أن إسرائيل نجحت إلى حد كبير في مخططها وبأدوات فلسطينية وعربية وإقليمية. فطوال اثنا عشر عامًا بعد خروج إسرائيل من وسط قطاع غزة وعشر سنوات من حكم حركة حماس أصبح قطاع غزة ورقة يتم توظيفها لصالح هذا المحور الإقليمي أو ذاك، وانشغل الفلسطينيون بالانقسام والصراع على السلطة أكثر من انشغالهم بمقاومة ومواجهة الاحتلال والاستيطان، وخلال هذه السنوات تزايد الاستيطان بشكل غير مسبوق وأصبح النظام السياسي أكثر هشاشة وضعفًا، أما قطاع غزة فحدث ولا حرج.

بسبب الانقسام أصبح قطاع غزة يعيش حالة غريبة وملتبسة، وأقرب إلى عالم الغرائب والمتناقضات. فيه صمود واستعداد للشهادة بنفس درجة الاحباط واليأس والبحث عن أي منفذ للهرب من القطاع، فيه أموال تتسلل لجيوب النخبة السياسية ولأيدي السكان بدون اقتصاد أو مصادر انتاج محلي، فيه مظاهر صارخة للغنى والإسراف كما فيه مظاهر صارخة غير مسبوقة للفقر والعوز والتسول، فيه الشهامة والكرم كما فيه مظاهر مستجدة من الفساد والانحلال وتفكك القيم المجتمعية، هذه الحالة من التناقض موجودة أيضًا في سلطة حماس الحاكمة، فأحيانًا تقول بأنها حكومة ربانية أو حكومة مقاومة فيما تلتزم بهدنة مع الاحتلال، وحينًا تقول بأنها حكومة دستورية شرعية جاءت عن طريق الانتخابات بينما تتفرد بالسلطة طوال عشر سنوات وتتردد في الاحتكام مرة أخرى لصناديق الانتخابات لتجديد شرعيتها، كما تتجلى حالة الارباك والتناقض عندها في قابليتها للتعامل مع أي طرف مستعد أن يؤمن لها الاستمرارية في السلطة وليس مهما إن كان هذا المنقذ أو الحليف قطر أو تركيا أو إيران أو مصر أو الإمارات أو دحلان الخ.

منذ سنوات وتقارير عديدة تحذر بأن القطاع سيصبح غير صالح للحياة البشرية، وأخيرًا صدر تقرير للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 11 يوليو الماضي، جاء فيه أن القطاع أصبح "غير صالح للحياة". وقال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية روبرت بايبر في الأراضي الفلسطينية المحتلة إن "كافة المؤشرات تسير في الاتجاه الخاطئ،" مضيفا في مقابلة مع وكالة فرانس برس في القدس، بعد إصدار التقرير "توقعنا قبل عدة سنوات أن يصبح قطاع غزة غير صالح للحياة، استنادًا إلى مجموعة من المؤشرات والموعد النهائي يقترب فعليا بشكل أسرع مما توقعنا".

المفارقة هنا أن هذا التقرير مدعوما بمعطيات الواقع يتزامن مع استمرار خطاب متضخم يقول بأن قطاع غزة وفي ظل سلطة حماس حقق توازنًا استراتيجيًا مع الاحتلال وبعد ثلاثة أو خمس سنوات سيبدأ الفلسطينيون انطلاقًا من قطاع غزة بعملية التحرير! ولا ندري كيف لمنطقة لم تعد قابلة للحياة ومنفصلة عن الكل الوطني والمواطن فيها غارق بالفقر والجوع والبحث عن متطلبات الحياة اليومية، أن تحرر فلسطين؟ لا بأس من استعمال خطاب يعبر عن الصمود والتحدي والتمسك بالمقاومة، ولكن بما لا يغرر بالجماهير أو يكون ستارا لإخفاء الواقع المتردي للشعب، والفشل في إدارة القطاع.

أن يتطلع البعض من أهالي قطاع غزة لأي مَخرج، وطني أو غير وطني، وعبر أية بوابة، فليس هذا خيارهم الاستراتيجي ولكنه خيار الضرورة المؤقتة وسيكتشف الجميع أن لا مخرج لأزمات القطاع إلا المخرج الوطني الشامل، وأن كل ما يدور من حديث عن تفاهمات وحلول خارج السياق الوطني الشامل ما هي إلا مسكنات ومحاولات بائسة للتغطية على فشل ومأزق أطراف هذه التفاهمات، أيضا تعبر عن فشل النظام السياسي برمته من منظمة تحرير وسلطة وطنية وحكومة.

لا نلوم شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة إن هيمنت عليه وشغلته مؤقتا القضايا الخاصة بالمتطلبات المعيشية ولا نلومه على ما وصلت إليه حاله من تناقضات والتباسات، ولكن، مخطئ مَن يعتقد أن هذه الانشغالات الوقتية ستُخرج قطاع غزة وأهله من كينونتهم وهويتهم وثقافتهم الوطنية، أو أن يقبلوا بقطاع غزة بديلًا عن فلسطين، كما لن يقبلوا أن يكونوا عبئًا على القضية الوطنية.

حتى لا يتحول قطاع غزة إلى عبء وطني يجب مقاومة محاولات سلخه وفصله عن الكل الفلسطيني وعن المشروع الوطني وعن الضفة الغربية، إن نجحت محاولات فصله فسيتحول إلى بقعة جغرافية مهملة وبائسة يعيش على المساعدات والصدقات، وسيغرق سكانه في صراعات لا تنتهي، وفصل قطاع غزة يعني أيضًا فصل وضياع الضفة الغربية والقدس ونهاية المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرر وطني.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

 

متعلقات