مجزرة تل الزعتر.. حكاية الوجع و"صمام الموت" العالق في أذهان الفلسطينيين

شمس نيوز/ منى الأميطل

مخيم تل الزعتر، حكاية من نكبات فلسطين الذي لا تنتهي، فحين دكت الصواريخ المخيم سالت دماء الأبرياء في الشوارع كالأنهار الجارية، 52 يوماً من الإجرام بحق الإنسانية وبحق آلاف اللاجئين الفلسطينيين، سقط خلالها 4280شهيداً وآلاف الجرحى، بتاريخ 12 أغسطس عام 1976 انتهت المجزرة باحتلال المخيم، والمعركة كانت بقيادة الجيش السوري والكتائب  المارونية اللبنانية.

41عاما على جريمة الإبادة بحق 20 ألف فلسطيني و15 ألف لبناني  يسكنون المخيم، في الصباح الدامي من يوم 12 آب أذاعت مكبرات تابعة للكتائب اللبنانية بنود الاتفاق الذي يمنع التعرض للمدنيين أثناء الخروج، لكن ما بين 1000 و2000 مدني قتلوا رمياً بالرصاص أو قُطّعوا إرباً.

بدأت بوادر المعركة في يناير من عام 1976، وإبان الحرب الأهلية اللبنانية بدأ الحصار الفعلي لمخيم تل الزعتر للاجئين الفلسطينيين من قبل القوات اللبنانية، إلى أن بدأ هجوم واسع لميلشيا "النمور" التابعة لكميل شمعون، في 20 حزيران (يونيو) على المخيم وعلى التجمعين المجاورين له، جسر الباشا والنبعة.

وانضم للمهاجمين أيضا في تلك المجزرة بجانب "نمور الأحرار وزعيمها كميل شمعون، كل من "الكتائب اللبنانية بزعامة بيار الجميل، وحراس الأرز وزعيمها اتيان صقر أبو ارز والشبيبة اللبنانية، حيث بدأت القذائف والصواريخ تمطر على المخيم بلا انقطاع من الفجر إلى المغيب وعلى مدى 52 يوماً متتالية، حيث يُقدر عدد القذائف التي سقطت على تل الزعتر بحوالي 55000 قذيفة.

في اليوم الأول سقطت حوالي 5000 قذيفة على المخيم، فدمرت ما يقرب من 70 بالمائة من بيوته.

في 1 تموز (يوليو) حاولت الفصائل الفلسطينية فك الحصار عن تل الزعتر، لكن دخول قوى إقليمية على خط المعركة أفشل الهجوم، الذي تكرر في 4 تموز (يوليو)، لكنه لم يُكتب له النجاح للأسباب نفسها.

وفي منتصف تموز (يوليو) استطاع 75 متطوعاً فدائياً الوصول إلى المخيم، وإدخال نحو 100 قذيفة صاروخية مضادة للدبابات من طراز "أر بي جي"، لكن بدأ محيط الدفاع عن المخيم يتقلص بالتدريج، نتيجة الدعم الذي تلقته مجموعات الميليشيات المهاجمة.

تزايدت الأوضاع تدهوراً وانتشرت الأمراض  وأصبح المخيم باهتاً ورائحة القذائف تنبعث من كل زقاق فيه.

وفي 21 تموز(يوليو) منعت "ميلشيا" كميل شمعون تنفيذ خطة إجلاء 100 جريح من تل الزعتر، وفي 24 تموز (يوليو) قصفت القوات  مخيم تل الزعتر بقذائف دبابات "سوبر شيرمان" التي سلمتها "إسرائيل" حديثاً لهم ، فاستشهد 250 مدنياً فلسطينياً كانوا متحصنين في أحد المباني.

وفي أعقاب تدهور الأوضاع تدخلت الاطراف الدولية، فتم السماح بإخلاء 334 جريحاً إلى بيروت الغربية، تبعهم 500 طفل في 3 آب.

في العاشر من آب (أغسطس) فقد المخيم أنبوب المياه الحيوي الأخير، وفي ذلك اليوم خرج 3000 مدني من المخيم، وتبعهم بعد يومين بقية السكان الذين يتراوح عددهم بين 9000 و12000.

أمرت قيادة الدفاع عن المخيم من تبقى من المقاتلين بأن ينتقوا طريقهم عبر وادي نهر بيروت، تحت غطاء مدفعي، وتمكن 3000 رجل وامرأة من الوصول إلى مدينة عالية سالمين، بعد أن فقدوا الكثيرين أثناء الطريق.

وفيما بعد اقتحمت القوات اللبنانية في 12 آب  المخيم وتمكنت من القضاء على المقاتلين المتحصنين ، وارتكبت مجزرة بحق المدنيين، ووجهت الرصاص الحي إلى صدور النساء والأطفال وكبار السن وبقرت بطون الحوامل.

وتعد مجزرة الإبادة بتل الزعتر أطول معارك الحرب الأهلية وأكثرها خسائر وضحايا، حيث تأسس المخيم عام 1949 بعد عام من النكبة، ويقع في القسم الشرقي لمدينة بيروت أي المنطقة التي كانت تسيطر عليها الأطراف المسيحية.

كما طالب الفلسطينيون بتل الزعتر فتوى من علماء المسلمين فتوى تبيحُ أكلَ جثثِ الشهداء كي لا يموتوا جوعاً، بسبب المجاعة التي حدثت.

وعلق حينها أحد الشعراء من المخيم على هذه المطالبات قائلا " والآن تكفِّنُهُ عيني .. فدعوني آكلُ من إبني .. كي أنقذَ عمري .. ماذا آكل من أبني ؟!! من أين سأبدأ ؟!

لن أقربَ أبداً من عينيه .. عيناهُ الحدُ الفاصل .. بين زمانٍ يعرفني .. وزمانٍ آخر ينكرني.

لن أقرُبَ أبداً من قدميه .. قدماهُ نهايةُ ترحالي .. في وطنٍ عشتُ أطاردُهُ .. وزمانٍ عاشَ يطاردني.

ماذا آكلُ من أبني ؟! يا زمنَ العار .. تبيعُ الأرض، تبيعُ العرض .. وتسجدُ جهراً للدولار.

لن آكل شيئاً من أبني يا زمنَ العار .. سأظلُّ أقاومُ هذا العفن .. لآخرَ نبضٍ في عمري .

سأموتُ الآن .. لينبُتَ مليون وليد.. وسطَ الأكفان على قبري .

وسأرسم في كل صباح .. وطناً مذبوحاً في صدري.

وبعد انتهاء عمليات الإبادة قامت الجرافات التابعة للقوات اللبنانية بتسوية المخيم بالأرض، وما زال الدمار في المخيم قائمًا إلى اليوم ولا يسمح بإعادة بنائه، وتشتت سكان تل الزعتر في عدد من المناطق اللبنانية خاصة البقاع وبعلبك.

على الرغم من مرور 41 عاماً على صمام الموت الذي انفجر في أزقة المخيم، إلا أن الذكرى الدموية لن تنسى وما زالت عالقة في أذهان من عايش تلك الفترة.

متعلقات