"ديروا بالكو عبعض يابا".. ابنة أحد مفقودي سفينة 6/9 تروي تفاصيل اللقاء الأخير

شمس نيوز/ منى الأميطل

ثلاثة أعوام مرت على حادثة فقدان سفينة 6/9 التي فقدت في عرض البحر المتوسط والتي كان على متنها حوالي 450 لاجئًا، وما زال الأمل يحذو أهالي المفقودين لحل تلك الشيفرة الغامضة التي تضاربت الانباء بشأنها إذا ما كانت السفينة غرقت في عرض البحر أم تم إلقاء القبض عليها قبل إبحارها على أحد الشواطئ المصرية.

هديل ياسر أبو عابد التي فقدت والدها وأخيها ذو العشرة أعوام على متن السفينة المشؤومة، تروي تفاصيل الحكاية والدمع معتقل في عينيها اللتين تلمعان حزنًا.

وتقول: "والدي لديه صديق يقطن بالسويد، أغراه بالعيش هناك بعد أن ضاقت بنا الحياة في غزة بعد الحرب الأخيرة وتدهور الوضع المادي. ففضل المغامرة والهجرة لتأمين مستقبل لعائلته".

لم يكن يعلم ياسر أن قارب الموت سيغدر به وبطفله، الذي أصرّ أن يخوض المغامرة مع والده بعد محاولات عديدة لإقناع والدته بالسفر، اضطر الأب لاصطحاب رائد والهروب من جحيم غزة إلى الجحيم الأكبر.

الحضن الأخير !

لحظات الوداع مؤلمة للغاية، الحاسة السادسة لياسر ربما أخبرته بأن خطبًا ما سيحدث، فاللقاء الأخير كان موجعًا فبدأ بسيل الوصايا لأبنائه ثم احتضنهم "الحضن الأخير" قائلًا "ديروا بالكو على بعض يابا" وغادر بلا عودة.

 في التاسع من سبتمبر وبعد ثلاثة أيام على الحادثة تلقت عائلة هديل خبرًا بفقدان ذويها.

وتقول هديل: "آخر اتصال كان بتاريخ 5/9 على شاطئ مرسى مطروح أي قبل انطلاق السفينة بيوم واحد، وبعد حادثة الفقد خرج علينا كثير من الشائعات، هناك من يقول تم إلقاء القبض على المهاجرين من قبل السلطات المصرية، والآخر يقول ابتلعهم البحر". وتضيف مستغربة "إن كان البحر فعلها وغدر بنا أين الجثث؟".

"أنا ياسر، أنا بخير" ثواني معدودة خلال اتصال هاتفي مع أخته القاطنة في مصر، أحيت الأمل في قلب العائلة. لكن منذ ذلك الوقت لم يسمع ذوي ياسر صوته مرة أخرى.

إذن ياسر على قيد الحياة، لم يأكله البحر كان حنوناً هذه المرة على الرغم من ابتلاعه لعشرات اللاجئين الهاربين من بلادهم للبحث عن حياة.

جهات مصرية تتكتم **

بعد ذلك الاتصال بدأت رحلة البحث عن إبرة في كوم قش، فتوجه ذوو ياسر لشركة الاتصالات المصرية لمعرفة موقع الرقم المجهول الذي اتصل منه لكن الشركة رفضت الإدلاء بأية معلومات إلا بأمر من المخابرات العامة المصرية.

توجهت العائلة في مصر للمخابرات لكن الأخيرة أيضًا رفضت إعطاءهم إذن دون ذكر ماهية الأسباب، وكون ياسر يحمل الجنسية المصرية بحثت أخته عن ملفه بالأحوال المدنية المصرية فجاء الرد " لا يوجد ملف".

كل ما وصل لأهله أنه معتقل بالسجون المصرية، أما الطفل رائد لم تصل أية أخبار عنه، وتذكر هديل أنه قبل مدة قصيرة جاء لأهل والدها بمصر اتصال من ضابط مصري يفيد بوجود والدها بالمستشفى العسكري التابع لسجن "طرة" فحاولوا الوصول لطرف الخيط لكن دون جدوى.

فصول الحكاية**

بعد أن أنهكها الحديث، تتابع هديل وتذكر لحظة مناقشتها لبحث التخرج، "تمنيت حينها أن يكون والدي معي ويكون كل الذي عايشته خلال السنوات الماضية ما هو إلا كابوس مزعج".

لولا الصبر الذي يضعه الله في قلوبنا لفقدنا قوانا العقلية من هول الصدمة ولكنه لطف الله،  تضيف والمرارة في صوتها الدافئ،" شعرت وقت تخرجي  بمعني الفقد الحقيقي، تخيلت أبي من بين الحضور حاملاً لي الورود، ولكن انتهى الحفل وانسكب دمع القلب بغزارة ولم يأتي والدي".

وفصل آخر للحكاية، فرائد الطفل المشاكس الذي أعلن إضراباً عن الطعام قبل سفر والده للضغط عليه لاصطحابه معه، وبالفعل تحقق مراد الصغير، كان بهجة البيت ضحكته كانت كفيلة بإزاحة جبال الهموم من صدري ولكن منذ غيابه غابت ضحكة القلب، كان بعمر العاشرة حين غادر والآن سيكمل عامه الثالث عشر وهو بعيد عن الأهل والرفاق، ثلاث سنوات لم يحتفل رائد بعيد ميلاده مع أهله، لم يذهب لصلاة العيد ولم يشتري ملابس العيد، هكذا اختتمت شقيقته حديثها.

وناشدت عائلة هديل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وكافة المؤسسات الحقوقية للتواصل مع السلطات المصرية للإفراج عن والدها من داخل السجون المصرية.

يذكر، أن المفوضية المصرية للحقوق والحريات أصدرت تقريراً لتقصي الحقائق حول حادث إغراق قارب "6 سبتمبر"، الذي انطلق من السواحل المصرية باتجاه أوروبا، وكان يقل على متنه قرابة الـ400 لاجئ ومهاجر، أغلبهم فلسطينيين.

وكشف التقرير الملابسات التي اكتنفت حادث الإغراق الذي تعرض له القارب في العاشر من سبتمبر 2014 على بعد 300 ميل بحري جنوب شرق مالطا، والذي لم ينجُ منه سوى 11 شخصًا، بينما لازال الباقون في عداد المفقودين حتى اليوم.

متعلقات