الغارة الإسرائيلية على سورية: رسائل غير عادية إلى أكثر من عنوان

بقلم: حسين حجازي

وصفت الغارة الإسرائيلية على مركز أبحاث لتطوير الصواريخ في سورية، بأنها غير روتينية أو غير عادية وأنها تحدث في الذكرى العاشرة لقصف المفاعل السوري في دير الزور. وقال قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق الذي أنهى قبل أيام مدة خدمته: لقد نفذنا أكثر من مئة غارة على أهداف في سورية خلال السنوات القليلة الأخيرة. وبدا ذلك، أول من أمس، كأنه تفاخر أو استعراض مقصود للقوة، سيما وأن هذه الغارة تحدث بالتزامن مع واحدة من أكبر وأضخم المناورات البرية والبحرية والجوية، التي تقوم بها إسرائيل على الحدود اللبنانية منذ عشرين عامًا، ويبلغ عدد القوات التي شاركت فيها ثلاثين ألف جندي.

وربما كان ذلك كله جزء من محاولة بنيامين نتنياهو حرف الأنظار المرة بعد المرة، عن التحقيقات معه حول الاتهامات الموجهة له بالفساد، والتي أخذت في الأيام الأخيرة منحنى يشدد الخناق حول رقبته. أو ربما كان ذلك استعراضًا للقوة قبل ذهاب الرجل إلى أميركا لمقابلة الرئيس دونالد ترامب، الذي يقال: إنه يزمع هذه المرة طرح مبادرته المنتظرة لعقد الصفقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، وإنهاء هذه القصة. وأراد الرجل أن يقول لسيد البيت الأبيض: إن إسرائيل ما زالت هي القوة التي يمكن الاعتماد عليها كحليف في مواجهة الحلف الإيراني الروسي السوري وحزب الله، إذا كان هذا الحلف هو الذي يحصد النصر الآن. وأن القادم بعد الانتصارات التي أحرزها النظام السوري على الأرض إنما هو تحول في ميزان القوى الاستراتيجي، كما مجمل الخريطة الجيوإستراتيجية في هذه المنطقة وبالتالي نحن هنا أي إسرائيل. أو أنه القادر على تعطيل أي اتفاق بين أميركا وروسيا في سورية يخرجه من المولد بلا حمص.

ولكن إذا كان هذا يحدث بالتزامن مع تصريحات لافتة في الوقت نفسه لبنيامين نتنياهو، عن التحول الذي لم تشهده إسرائيل منذ نشأتها في هذه العلاقات السرية حتى الآن مع الدول الخليجية، وعلى جميع المستويات. والكشف المتعمد عن «زيارة» لأحد الأمراء السعوديين إلى إسرائيل، فهل الرسالة بالضرب في سورية هي موجهة كعربون للصداقة والتحالف الجديد إلى هذه الدول الخليجية؟ بأن إسرائيل هي التي يمكن أن تقدم البضاعة المطلوبة في مواجهة إيران والتحالف الروسي السوري الإيراني؟

إذا كان من اللافت في هذه الحكاية أن الضرب والقصف في سورية وعلى هدف سوري، ولكن الأحاديث التي ترددها الجوقة السياسية والإعلامية في إسرائيل ويراد بعثها إلى الخارج، ومن يعنيهم الأمر هو عن التصدي للتوسع الإيراني الشيعي. هكذا التوسع الشيعي الإيراني مقابل اصطلاح الإسلام السني المعتدل.

إن الأحداث والشخصيات تتكرر في التاريخ مرتين، المرة الأولى على شكل مأساة، وفي المرة الثانية على شكل هزلي أو كوميدي أو نوع من الخداع كما قال ماركس. ولقد لعب في المرة الأولى زعماء المارونية السياسية في لبنان وبشير الجميل برئيس الوزراء الليكودي مناحيم بيغن وأريئيل شارون وزير الحرب آنذاك. لكي تؤدي إسرائيل دور البندقية للإيجار والقيام بالعمل الوسخ، مهمة القضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية والوجود السوري في لبنان.

ولكن بيغن الذي اكتشف بعد ذلك أنه خُدع وأن إسرائيل لم تحصل على شيء سوى السراب، اضطر إلى الاستقالة من منصبه والاعتكاف في البيت. واليوم إن المعادلة أو الثمن والمكافأة تحت الطاولة التي يريدها نتنياهو من وراء لعب هذا الدور مجددًأ كبندقية للإيجار ضد سورية وإيران، إنما هو رأس حل الدولتين أي استبدال التسوية المباشرة مع الفلسطينيين، ودفع استحقاقات هذه التسوية بالتسوية أو السلام الإقليمي مع العرب الخليجيين.

ولا نسأل إن كانت هذه المقايضة ممكنة حتى من قبيل الخداع؟ والجواب كلا. لأن القضية الفلسطينية اليوم لها أصحابها الذين يملكون حق تقرير مصيرها وشروط حلها، وإذا كان الحديث يتم عن الدول الأربع ضد قطر في الأزمة الخليجية أي مصر والسعودية والإمارات والبحرين. فعلى الأقل فإن خادم الحرمين أي السعودية، التي تمثل بيضة القبان والقائد في مثل هذا الوضع، لا يمكن أن تتجاوز ثالث الحرمين أي المسجد الأقصى والقدس في ظل هذا الاصطفاف أو الاستقطاب العربي الإسلامي والإقليمي والدولي.

ولكننا نسأل إن كانت إسرائيل قادرة حقاً في لعب هذا الدور، دور البندقية للإيجار؟ على غرار الدور الذي لعبته عام 1956 في العدوان الثلاثي في عهد بن غوريون، أو الدور الذي لعبته في لبنان عام 1982. وكان هذان الدوران فاشلين بامتياز. وإن إسرائيل اليوم رغم هذا الاستعراض الفج للقوة إنما هي أعجز من أن تبادر فعلًا إلى الحرب مع محور إيران وسورية و»حزب الله» وورائهما روسيا.

وأن كل ما تفعله الآن لا يبدو سوى نوع من التحرشات التي لا تتجاوز الإيهام وإرسال الرسائل أو مغازلة ما تسميه محور الاعتدال السني، والتي نعرف أنها لا تقبل أن تبيعه ورقة تجاوز حل القضية الفلسطينية. فهل لهذا السبب قاموا بالكشف عما أسموه بزيارة هذا الأمير السرية إذا كانت هذه الزيارة حقيقية؟ لأنهم لم يسمعوا الكلام الذي يريدون سماعه.

والواقع أن الأزمة هي أبعد مما يمكن النظر إليها من السطح، إذا كان ما نراه أو نسمعه يتجاوز القشور أو المناورات. وإذا كانت الأزمة الخليجية تهدد في أحد أبعادها اليوم دون التوصل إلى حلها، إلى تهديد فعلي لأول مرة في التاريخ بتصدع حكم العائلات التاريخية والعريقة نفسها، التي تحكم هذه الممالك والإمارات. ما يعني استدارة الأزمة العربية التي نشأت عما يسمى الربيع العربي إلى الحصن والموقع الأخير الباقي، لما كان يمثل القيادة الخلفية أو الاستقرار. وذلك في الوقت نفسه الذي يبدو فيه النظام السوري وكأنه عشية إعلانه النصر وإفشاله عملية قتل أو إسقاط الدولة السورية، والتي كانت دول الخليج أحد الأطراف الإقليمية الرئيسة اللاعبة في الأزمة السورية.

وحده إذن المنطق يقول: إن إسرائيل أمامها خيار واحد بديل عن الدور الذي تعرضه للإيجار، وهو النجاة بجلدها الآن في دفع ثمن السلام الفلسطيني، لكي تحظى باعتراف العرب والمسلمين بدولتها على حدود العام 1948. إذا كان السيناريو الوحيد المتوقع الآن يتمثل بعد استعادة النظام السوري سيطرته على جميع أجزاء سورية، هو انتقال المحور الإيراني السوري و»حزب الله» إلى تدفيع الثمن لإسرائيل، عملية سداد الفاتورة كاملة على جميع الغارات المئة التي قاموا بها في قصف سورية.

فهل كانت هذه الغارة هي من قبيل الرد الاستباقي في غضون هذا الوقت المستقطع من جانب إسرائيل من قبيل التحذير وتوجيه الرسائل إلى روسيا؟ إذا كان هذا هو القصد الوحيد من إعلانهم قبل الغارة بأيام تحليق طائرات الشبح، التي حصلوا عليها مؤخرًا من أميركا، فوق جميع الأجواء السورية طولًا وعرضًا دون أن ترصدها رادارات الصواريخ الروسية المضادة للطائرات أس 400، في محاولة واضحة لإهانة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

والواقع أنه ربما كان هذا هو الهدف من وراء الغارة الاستثنائية على مصنع الصواريخ السورية، وحشد القوات على الحدود مع لبنان لإهانة الرئيس الروسي. والرد عليه بعد تلويح روسيا بالفيتو خلال مناقشة مجلس الأمن توسيع نطاق مهام قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان، لتقييد حزب الله. وقيام روسيا بإنقاذ نظام الأسد والدولة السورية من التفكك، وبالمحصلة خروج إسرائيل من الأزمة السورية دون تحقيق أي مكسب، بعد أن كانت تهدف إلى الحصول على شرعية احتلالها للجولان.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

 

متعلقات