تقرير: آثـار الحروب الثلاث على غزة لا تزال تفتك بأجنّة الأرحام

شمس نيوز/ ولاء جبريل

تنظر نورا إلى صغيرتها التي تتجول أمامها، تارة يبتهج الكون بناظريها، وتبتسم، لكن يغشى نظراتها شيء من الحزن؛ فرغم مرور ثلاثة أعوام على الحرب الأخيرة على غزة، إلا أن شريط اللحظات المأساوية التي عاشها القطاع، لها وقعًا كبيرًا عليها، بعد أن تركت آثارها حتى اللحظة. 

فالأم نورا إسماعيل (28 عامًا)، والتي تقطن في مخيم البريج وسط قطاع غزة، كتب لها أن ترزق بحمل قبل بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في صيف 2014، بخمسة أشهر، كانت الفرحة الحقيقة التي سكنت قلبها بعد زواجها في بداية العام 2014.

تقول مستذكرة تفاصيل الحرب الأخيرة التي عاشتها، "بدأت الحرب وبدأ الخوف يزداد لدي، ففي أحد الأيام قام الاحتلال بإطلاق قنابل الفوسفور، وأثناء هروبنا استنشقت رائحة كريهة تشبه رائحة الغاز وكانت قوية جدًا".

وتتابع بالقول: "شعرت حينها بالاختناق وفقدت الوعي لعدة دقائق، ومضت الحرب وازداد الخوف على جنيني، وقمت بمراجعة أخصائية ولادة، وأبلغتني وقتها أن جنيني لديه بعض المشاكل وأنه قد يولد مشوه خُلقيًا، تمالكت نفسي ودعيت ربي ألا يصيب طفلي أي مكروه، أشهر أخرى قليلة حتى اشتد الألم لدي وجاء موعد الولادة".

وتستطرد في وصف لحظات ما بعد وضعها لجنينها: "وضعت جنيني بين أضلعي ورحت أتفقده حتى فقدت الوعي، وبعد أن صحوت كان زوجي يبشرني بأن طفلتي لا تحمل أيّة تشوهات وأنها جميلة جدًا، حمدت الله كثيرًا".

 لكن طفلتها التي ترتاد المدرسة الآن، تعاني من "قصر في الطول"، حيث ذهبت العائلة لمحاولات علاج طفلتهم "مريم"، إلا أن ذلك لم يجدي نفعًا، وتعتبر العائلة أن ما تسبب بقصر القامة، الغاز الذي استنشقته والدتها- أثناء حملها- بعد أن أطلق الاحتلال بلا رحمة جام غضبه وصواريخه على الأحياء السكنية في القطاع، غير آبه بالمدنيين.

بينما استغرقت مي أهل، 30 عاماً، ثلاثة أعوام لجمع مبلغ ألفين وخمسمائة دولار لإجراء عمليّة زراعة أجنّة إثرَ تأخّرها عن الحمل عاماً كاملاً بعد زواجها عام 2012.

"إنّها تعالجت في بداية الأمر لتنشيط المبيضين بعد بأربعة أشهر من زواجها، إذ كانت تعاني من ضعف تبويض. وبعد إتمامها العلاج كاملاً ودفعها ما يقارب الألف دولار على العلاج لمدّة خمسة أشهر في أحد مراكز الإخصاب في القطاع، تفاجأت بأنّ زوجها يعاني من مشكلة تشوه الحيوانات المنوية قبل أن تبدأ في جمع المبلغ الحقيقيّ للعمليّة، خصوصاً أنّها لا تعمل، وزوجها الذي يعمل شرطيا لا يتقاضى راتبه الشهريّ منذ عامين".

عند بحثنا عن السبب الرئيسي لتأخر الإنجاب في قطاع غزة، صادفتنا عدة أسباب كان أبرزها مخلفات الاحتلال وما تحتويه أسلحته من مواد كيميائية -على الرغم من عدم وجود إحصائية رسمية-، بالإضافة إلى الضغط النفسي الذي يعاني منه أهالي القطاع، والملوثات الموجودة بالمياه والمزروعات.

نسبة العقم زادت**

إذ لم يستبعد بهاء الدين الغلاييني، رئيس مركز البسمة للإخصاب وحل مشاكل العقم، أن يكون للحالة النفسية دور كبير في تأخر الإنجاب، حيث تم منح بعض النساء حقن تنشيط مبايض لمدة شهر كامل، إلا أن أجسامهن لم تستجب بسبب الضغط النفسي الذي تعانيه.

ومن جهة أخرى، أكد الغلاييني، أن المواد الكيماوية الموجودة في أسلحة الاحتلال والموجودة في بيئة قطاع غزة، تتسبب بإنتاج بويضات غير صالحة للإنجاب، أو بويضات تؤدي إلى حمل بجنين مشوه، أو إجهاض، مشيرًا إلى نفس الأثر على الحيوانات المنوية عند الرجال.

ويبدو، أن أكثر من يزور مراكز حل مشاكل العقم وتكرار الإجهاض طلباً لزراعة أجنّة، هم سكان المناطق الحدودية كـ (رفح، بيت حانون، بيت لاهيا، وحي الشجاعية، وحي الزيتون)؛ نظرًا لكونها أكثر المناطق التي تتعرض لهجمات وقصف مستمر في الحروب.

فاستهداف الاحتلال المستمر للأراضي الزراعية في الحروب وغيرها، أدى إلى تغير التربة، ما أدى لتشبعها بمواد كيميائية سامة “تقتل الأجنة" وتصيب البعض بأمراض لا حصر لها، وتحد من تناسل الفرد.

ويساور الدكتور بهاد الدين الغلاييني، الشك بتلوث المنتجات الإسرائيلية التي تصل قطاع غزة، لاسيما المجمد والمعلب منها، إلى جانب تلك المزروعات الملوثة بمخلفات الصواريخ، لكنه لم يتمكن من إثبات ذلك بشكل جازم، مشددًا على احتمال أن يقوم الاحتلال بها بشكل متعمد.

فقد أوضح الغلاييني، أن احتمالية زيادة العقم عند الرجال تفوق النساء، وذلك بسبب تعرض الرجال للمواد الملوثة الموجودة في التربة والمياه أكثر من النساء، مؤكدًا أن نسبة العقم في غزة زادت في السنوات الأخيرة بشكل كبير.

أما عن الرجل**

وفي السياق نفسه، يؤكد د. عوني عطاالله أخصائي النساء والتوليد، أن دوالي الخصيتين هي أكثر أسباب ضعف الخصوبة عند الرجال.

وأضاف عطالله، في حديث صحافي: "أن الحقيقة العلمية تشير إلى أن أكثر من 50% من الحالات تتحسن صورة التحليل المنوي لديهم بعد إجراء الجراحة؛ ومن ثم يحدث الحمل في معظم الحالات خلال السنة الأولى بعد الجراحة".

وفي دراسة مقارنة فلسطينية إيطالية، أجريت بين مئات الرجال الذين أجروا تحليلًا للسائل المنوي قبل العام 2008 أي قبل شن اسرائيل حربها الأولى على غزة، وآخرين أجروا تحليلات في الفترة التي أعقبت الحرب بعام، كشفت الدراسة هبوط معدل الأشكال الطبيعية للحيوانات المنوية من 37% للعينة التي أخذت قبل الحرب، إلى 18% من العينة التي أعقبتها.

وأظهرت زيادة في أعداد الرجال الذين يعانون من انعدام الحيوانات المنوية بعد حرب 2008 بما نسبته 55%، مقارنة بالعينات التي سبقتها.

وعلى الرغم، من حظر استخدام بعض الأسلحة عالميًا في الحروب، إلا أن اسرائيل كانت ولا زالت غير مبالية لهذا القرار، وما يؤكد ذلك استخدامها لأسلحة محظورة في حروبها الثلاث على غزة، خلفت على أثرها حالات مستعصية يصعب علاجها.

فبعض النساء في قطاع غزة أثناء حملهن في الحرب الأولى 2008 لم تسلمن من قنابل الفوسفور التي ألقاها الاحتلال على مناطق متفرقة في قطاع غزة، فبعد الولادة واجهن الكثير من المشاكل الصحية، وطال الأمر أطفالهن فبعضهم إلى اليوم ما زال يعاني من قصر في الطول، وصعوبة في التكلم، وولادة بعضهم بأمراض يصعب حلها كـ التوحد، والعصبية وغيرها من المشاكل.

وللحصول على إحصاء تقريبيّ لعدد الحالات التي تعاني من العقم في غزّة، فإن اختصاصية النساء والتوليد، لاريسا السحباني، التي تطوّعت مع بداية عام 2015 لإجراء عمليّات حقن مجهريّ للنساء المتأخّرات في الإنجاب كعمل خيري أقدمت عليه.

قابلت أكثر من سبعمائة حالة، وهو عدد كبير نسبيّاً مقارنة بعدد المراجعين لدى مراكز العقم والإخصاب مدفوعة الأجر، الأمر الذي يؤكّد ارتفاع نسبة حالات العقم وتأخّر الإنجاب، على الرغم من عدم وجود إحصاء رسميّ، إلا أنها توقفت عن الأمر بعد خمسة أشهر بسبب زيادة عدد الحالات التي تصل إلى مركزها يوميًا وتكبدها خسائر مالية وصلت إلى خمسة ألاف دولار.

متعلقات