معركة بين الفلسطينيين والأمريكان.. !!

بقلم/ أكرم عطا الله

يبدو أن أزمة النظام السياسي الفلسطيني وحالة الانهيار العربي التي بلغت ذروتها وتبدل أولويات الأعداء والخصوم في الإقليم من صراع قومي أحد أطرافه اسرائيل إلى صراع مذهبي يضع إيران عدواً رئيسياً، كل هذا يبدو أنه فتح شهية الرئيس الأميركي للإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، بل وأبعد من ذلك فتح الشهية لتعاون إسرائيلي أميركي لإعداد طبخة سياسية بات واضحاً للقيادة الفلسطينية أنها أقل كثيراً مما يقبله أي فلسطيني.

منذ مطلع الشهر الماضي أطلع الرئيس الفلسطيني أبو مازن على ما تعده أو ما ستعرضه الإدارة الأميركية لدى زيارته في السابع من نوفمبر إلى السعودية، ويبدو أن الرئيس عاد متشائماً ليبدأ التعبير عن هذا التشاؤم من خلال رسائل يبدو أنها وصلت للإدارة الأميركية، التي بدأت باتخاذ اجراءات كانت بدايتها رسالة مماطلة تجديد ترخيص مكتب منظمة التحرير في واشنطن، والحديث عن إغلاقه وكذلك إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وما بينهما من رسائل تناقلتها قنوات بعضها معلن وبعضها خفي، وما بينهما من كيمياء كانت تشير إلى تصاعد أزمة تنتظر الاعلان عنها، فجاء خطاب الرئيس الأميركي بمثابة القشة التي قصمت الظهر.

بات واضحاً أن هناك أزمة بل معركة فرضت على الطرف الفلسطيني بالمحاولة الأميركية بانتزاع القدس من ملف التفاوض، ليعلن الفلسطينيون أن الولايات المتحدة أقصت نفسها من دور الوساطة في عملية التسوية، وهو ما جاء في خطاب الرئيس أبو مازن ثم خطاب وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي بلهجة تصعيدية، وإعلان رفض لقاء نائب الرئيس الأميركي مايكل بينيس، وصولاً لمطالبة الرئيس أبو مازن بطرد سفراء واشنطن من العواصم وعزل الولايات المتحدة الأميركية، وهو مستوى يشكل سابقة في العلاقة الفلسطينية الأميركية.

خطاب الرئيس أبو مازن ليلة خطاب ترامب اعتبره الكثيرون أقل من المطلوب فلسطينياً، ولا يمثل رداً صارماً على الرئيس الأميركي، لكن يبدو أن التطورات الميدانية والموقف الدولي المتماسك من اعلان ترامب، سواء على المستوى  العربي أو على مستوى الاتحاد الأوروبي وبقية العالم، ساهم في اسناد الموقف الفلسطيني الذي وجدها فرصة ليس للرد على الخطاب لدفع الولايات المتحدة عن التراجع لأنه بات يدرك صعوبة التراجع عن الموقف لأن ذلك يتطلب معركة مع الكونغرس الأميركي وأخرى مع إسرائيل وهذه ليست في وارد أي رئيس أميركي حتى بعد ترامب، ولكن الفلسطينيين وجدوها فرصة لقطع الطريق على ما هو قادم مما تم انضاجه بين إسرائيل والولايات المتحدة.

الرئيس بات يدرك حجم الضغوطات ويشعر خطورة القادم ويبدو أنه قرر الصمود بما يملك من وطنية وعناد، جميعنا لدينا ملاحظات على ادارة الرئيس للوضع الداخلي الفلسطيني، سواء منظمة التحرير أو السلطة ونظامها الفردي أو ادارة فتح وانقسامها وصراعاته مع البعض، وكذلك سيطرة حماس على غزة وغير ذلك، ولكن علينا ألا نشك للحظة بصلابة الرئيس أبو مازن والتي تم اختبارها في كامب ديفيد عام 2000، وكذلك في رفضه للعرض الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود أولمرت أواخر ولايته.

المعركة مع واشنطن ليست سهلة أو ليست كما يعتقد الكثير من قادة السلطة، رغم الثقة برغبة الرئيس أبو مازن بالاستمرار بها، لأن التجاوب أو ابداء أية مرونة تعني انتظار مقترحات أسوأ نهايات القضية، وهو ما لا يريد الوصول لهذه المحطة، فالتصعيد الآن يقي من أخطار القادم.. ولكن هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة التي ينشغل طاقمها اليهودي الهوى وليس فقط الديانة سيتوقف عن ما يعده منذ أشهر منذ تكليفهم بهذا الملف؟

في الاجتماع الذي عقد في البيت الأبيض في السابع والعشرين من الشهر الماضي، الذي تقرر للنقاش بملف الاعتراف بالقدس، كان واضحاً أن الدولة الأميركية بمؤسساتها عارضت القرار من خلال وزيري الخارجية والدفاع تيلرسون وجيمس ماتيس، وكذلك مدير وكالة الاستخبارات الأميركية “سي آي إيه” مايك بومبيو، وهذا مهم في قراءة اتخاذ القرار الذي أيده بشدة كل من نائب الرئيس مايك بينيس وهو القريب من لوبي الضغط المسيحي الانجيلي، وكذلك نيكي هايلي السفيرة بالأمم المتحدة، بالاضافة الى طاقم التسوية الذي يضم كلا من السفير الأميركي بتل أبيب ديفيد فريدمان، وجاريد كوشنير صهر ومستشار الرئيس، اضافة الى جيسون غرينلات المبعوث الخاص للسلام في الشرق الأوسط، وهؤلاء الثلاثة هم طاقم السلام وهم الطاقم لمشتريات وبيع العقارات لدى ترامب، وكأن المسألة صراع على عقار بعيداً عن فهم جذور الصراع وتاريخ المنطقة.

يكمن سر قدرة الفلسطينيين على المواجهة في نشوء ما يشبه الاجماع الكوني برفض وادانة خطاب الرئيس الأميركي، وظهور الولايات المتحدة تقف وحدها أمام هذا الاجماع، والمسألة الثانية أن خطاب الرئيس وضع ظهرهم للحائط، يجردهم من كل شيء، فلم يبق لديهم ما يخسرونه، وبالتالي تجرأوا على الولايات المتحدة بأن يتم رفض زيارة نائب الرئيس أو المطالبة بطرد سفراء واشنطن، وهو موقف كبير على الفلسطينيين الذين ظهروا كمن لا يعيرون أي خشية من الولايات المتحدة، وهذا مهين لها كدولة عظمى باتت هي الأخرى تشعر بذلك، فكان ردها على عدم مقابلة بينيس ضعيفاً بأن الفلسطينيين يخسرون فرصة للحديث عن التسوية.

ولكن هل يستمر الفلسطيني بهذه القوة؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه؟ أسئلة لابد وأن ترافق أية معركة سياسية، وخصوصاً عندما تكون مع قوة طاغية كالولايات المتحدة، فالصمود الفلسطيني يتوقف على عوامل عدة، صحيح أن رأس النظام ممثلاً بالرئيس يشكل رأس الحربة، لكن غياب المؤسسة يضعف كثيراً أدوات المعركة، بل الأمر الذي يتطلب الاسراع في تشكيلها بأقصى سرعة واستدعاء المؤسسات لاجتماعات في حالة انعقاد دائم وانتفاضة شعبية تسلح المؤسسات بأوراق القوة، فليس من المنطقي ألا تجتمع أية مؤسسة فلسطينية منذ خطاب ترامب حتى اللحظة، فلا يمكن الثقة بصلابة الموقف أمام انهيار المؤسسة…!!!

متعلقات