بعد اختفاء ملامح وجهها.. الأسيرة الجعابيص "أريد أن يراني طفلي جميلة"

شمس نيوز/ توفيق المصري

"كيف سأقابل ابني وأصابعي ووجهي وجسدي مشوّه؟"، سألت إسراء الجعابيص والأسى في عينيها، رفيقتها بالأسر دلال أبو الهوى (39 عامًا) بعد أن سمح لها الاحتلال برؤية طفلها "المعتصم بالله" (9 أعوام) للمرة الأولى منذ اعتقالها.

فراودت دلال "أم عمر" فكرة إعداد ثوب فكاهي مهرج لتلبسه إسراء أمام المعتصم اعتاد على رؤيتها به في المنزل والعمل، تصنعه لها أسيرة من نابلس تشغل وقتها بأشكالٍ ودباديب وقطط من وجوه الفرشات حين تسمح إدارة السجون بإعطائها المقص من الساعة الـ9صباحًا إلى الـ5 مساء.

 حين جاء موعد الزيارة، لبست إسراء بدلة "أفرهول" كجلد النمر بكفوف دون أصابع والقناع على جانبها متخفيةّ بملابس الصلاة، التي فضلتها على الجلباب لأنه يؤذي جسدها بفعل أزراره الحديدية، خشية من ملاحظة السجانين زيّ المهرج.

كان همّ إسراء الوحيد إخفاء ما شوّهته النار في جسدها عن ابنها، قائلةً لرفيقتها "أريد أن يراني ابني جميلة".

وقبل أن تصل طفلها وضعت إسراء القناع على وجهها، لئلا ينصدم، وما تمنت ألا يحدث وقع، حيث أصرّ المعتصم على رؤية وجه أمّه، فأثار فظاعة المشهد الصدمة والخوف للطفل الذي تدارك الموقف بعد ذلك ببراءته وأصلح قلب أمّه إثر انهمار دموعها بكلمات ماتزال محفوظة في ذهن إسراء "ماما انتِ كتير حلوة".

وتكمل دلال سرد حكاية إسراء لـ"شمس نيوز": " دخلت السجن أبكي ابتعادي عن أولادي الخمس وابنتي الوحيدة"، فما كان من إسراء إلا والتفت حول الأسيرة الجديدة؛ لتخفف عنها.

وراود أم عمر وهي معانقة إسراء قوة هذه المرأة التي تواسيها، وتقول "طالت الحروق 65% من جسد إسراء وتواسيني، إنسانة رائعة ألهمها الله بالصبر، إنسانة برغم ما بها كانت تعمل على رفع معنويات الأسيرات الصغيرات اللواتي نسميهن "زهرات"، بتنظيم فعاليات باستمرار؛ لئلا يملوا من الأحكام العالية عليهن ببرنامج منظم".

لم يمض أيام على مكوث أم عمر داخل الأسر حتى أثار فضولها إحاطة إسراء بعدد كبير من المراوح، فسألت عالية العباسي "أم موسى" المتطوعة لرعاية إسراء ومرافقتها في مستشفى "هداسا عين كارم"، لتسرد لنا قائلة "سألت خالتي أم موسى، لم موجهة على جسدها، فأوضحت لي بأن جسدها كأنه يحترق في الليل، وأنها إذا تعرقت تشعر بنمنة وتآكل في جسدها من الحروق، وليس لها أطراف وأصابعها مبتورة".

تردف دلال "نضع لها مروحتين في الشتاء لبرودة الجو، أما في الصيف نضع خمسًا لتبريد جسدها. كنت لا أعرف كيفية عمل بعض الأشياء، وكانت ترشدني، في حين أن خالتي علياء تُطعمها، فأساعدها أنا في دخول الحمام وتحميمها، لما تعانيه".

وتعيد أم عمر رسم فرحتها التي ارتسمت بعدما مسكت المشط لتسريح شعر إسراء حينما ظهر في رأسها، وحديثها "يا دلال نفسي أحس بأني أنثى"، وكانت فرحت الأسيرة عندما تطلب منها دلال تسريح شعرها كـ"أنها ذاهبة في رحلة إلى القمر".

روح إسراء الصغيرة التي تسعد بأقل الأشياء تسرده دلال "كانت تبكي كلما استيقظت ووجدتني جهزت العصير لها، أذهب فأجمع من 14 غرفة في السجن حوالي 40 حبة كلمنتينة، وأقطعهم وأعصرهم، فتقول لي: "يا دلال بأشياء بسيطة بتبسطيني وبتفرحيني، رغم أنه خالتي أم موسى بتضحكني لكن إنتِ بتضحكيني أكثر يمكن لأنه ما في بينا فرق كبير بالعمر".

وتضيف دلال وفرحة إسراء ترتسم على شفاهها حين يبرد جسدها "إسراء تحب الحياة بغير يأس، تمضي معظم وقتها بالتعلم والدراسة، وكل تفكيرها إكمال تعليمها في علم النفس، بدأت تعلم اللغتين العبرية والإنجليزية، على يد أسيرتين هن: شاتيلا أبو عيادة وشيرين العيساوي".

دلال من سكان الطور في جبل الزيتون القريبة من المسجد الأقصى، اعتقلت في 17 أيلول سبتمبر عام 2016، وحُولت إلى سجن "هشارون"، بعد 23 يومًا في تحقيق المسكوبية، وبعد أن اعتقلت بتاريخ 28/8 من العام نفسه، بزعمٍ من الاحتلال أنها "تتواصل مع جهات معادية لإسرائيل ومع محررين من غزة وتعمل على تحويل وتلقي أموال".

كانت إسراء كريمة وحنونة جدًا على جميع الأسيرات، تبادر بتهدئة الجدد منهن، وتقدم لمن لا تحمل رقم كنتينة يدها، سبعة أشهر ونصف قضتها دلال في غرفة الاستقبال رقم 17 بسجن "هشارون"، مع إسراء، لترى أن المرأة التي اختفت أطرافها تحاول العمل بنفسها، ولا تحب الاتكالية.

"حالتها الصحية تأزمت قبل خروجي"، تقول أم عمر، حتى أصبحت حين تريد فتح باب خزانتها الحديدية، بما تبقى من أطراف أصابعها، يحدث نزيف ويتحول لونهم إلى لون أزرق، وكل شيء تلمسه بكفة باطن يدها الناعمة والمذاب بفعل الحرق، كأن صعقة كهربائية تضربها.

 وساءت حالتها النفسية، بفعل طواقم الباحثين الاجتماعيين-من يهود ودروز- كانت ترسلها إدارة السجون، الذين كانوا يتعاملوا معها بلا مبالاة وباستهزاء، حينما تحدثهم أنها بحاجة لعلاج ولرؤية طفلها، وتلحظ وعوداتهم الكاذبة، حسبما حدثت إسراء أم عمر بعد كل جلسة.

وتتابع، أنه بعد أن ملت وعوداتهم الكاذبة، أصبح يتم تزويدها بمنوم، ما جعلها بحالة اكتئاب سيئة وبخمول، طالبتها وأم موسى بأن لا تأخذه، لأننا شعرنا أن أدويتهم نتائجها عكسية وليست إيجابية.

وتضيف "حتى من كانت تأتيها للعلاج الطبيعي الذي تمتد جلساته لساعات، كانت جلستها لا تتعدى دقائق معدودة، تستشعر منها مدى الاستهتار حيال حالتها، بوضع نسبة قليلة من الدهون والكريمات، لكنني وأختي أم موسى، كنا نحك لها بفراشي الشعر الوبرية الناعمة".

واتجهت رفيقاتها في الأسر، إلى وضع كريمات لها غير مخصصة للحروق، وتجنبوا دهنها بزيت الزيتون؛ لأنه يسبب لها حموم بحروقها، في ظل عدم سماح إدارة السجون بإدخال الأدوية، وكانت قد طلبت بأن يدخلوا مرطب لشفاهها بسب تكرار نزيفها، لكن رفض الاحتلال إدخاله إلا بعد مدة طويلة، كما تقول أم عمر.

وما زالت تستذكر دلال حرص رفيقتها إسراء على النوم يوميًا وصورة ابنها إلى جانب رأسها على مخدتها.

متعلقات