«قصف الهدنة» والهروب من خيار المصالحة!

بقلم: هاني حبيب 

اتخذ المكتب السياسي لحركة "حماس"، إثر عدة اجتماعات عقدها في مدينة غزة، ومشاورات تمت مع فصائل العمل الوطني والإسلامي، "قرارات ومسارات وطنية" حسب رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية الذي أشار إلى أن وفد الحركة الذي جاء من القاهرة سيعود إلى العاصمة المصرية، حاملًا رؤية الحركة حول عدة ملفات: المصالحة، وملف كسر الحصار، والتهدئة ومواجهة العدوان الإسرائيلي. 

وقبل أن يغادر وفد الحركة إلى القاهرة، استهدف الاحتلال أحد مواقع حركة "حماس" العسكرية شمال قطاع غزة، ما أدى إلى استشهاد مقاومين، قالت وسائل الإعلام الإسرائيلية، إن وفد الحركة كان قد زار هذا الموقع قبل ساعات من إقدام الاحتلال على قصفه، كل ذلك وما زال الحديث المتداول تسيطر عليه مداولات حول التهدئة والهدنة بين الحركة وإسرائيل في رسالة دموية واضحة من قبل الاحتلال، إلى أنه معني بالتوصل إلى تهدئة أو هدنة، ولكن بالشروط الإسرائيلية، وان إشارات حركة حماس المتعاقبة حول تغيير قواعد اللعب والاشتباك مع العدو، ليس لها أساس من الناحية الواقعية، فالرسالة التي حملها هذا القصف للموقع الحمساوي هي الأوضح في إطار تأكيد العدو الإسرائيلي، على أنه، ورغم كل هذا الحديث عن تهدئة أو هدنة، هو وحده من يرسم تخوم وحدود وشروط أي مفاوضات بهذا الشأن. 

إن ما أمكن ملاحظته، خلال كافة التحركات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، خلال الأشهر الأخيرة وصولًا إلى مباحثات التهدئة والهدنة مؤخرًا، تنطلق من معالجة "ملفات غزة" التي تتقاطع بشكل أساسي مع أوضاع مواطنيها المتأزمة في ظل كارثة إنسانية هائلة، بفعل الإجراءات الاحتلالية من جهة، وتداعيات الحروب المتلاحقة التي شنتها إسرائيل على القطاع، إضافة إلى فشل إدارة حماس للقطاع، الأمر الذي أسهم مساهمة أكيدة فيما وصلت إليه الأمور من أزمات، إلاّ أن هذه المعالجة التي تبدو وكأنها تعالج الأزمات الإنسانية، هي في واقع الأمر غير معزولة بالتأكيد عن الأهداف السياسية الأكيدة، يسعى التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي إلى تحقيقها في ظل إدارة أميركية شريكة للاحتلال من جهة، مع استمرار حالة الضياع والانكسار والتفكك كالتي تجتاح النظام العربي، بشقّيه الرسمي والشعبي، الأمر الذي يشكل فرصة للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، للعمل بلا كلل لتصفية القضية الوطنية للشعب الفلسطيني مستفيدًا من حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني، متخذًا من الأزمات الإنسانية في قطاع غزة مدخلًا لتوفير غطاء سياسي لاستنهاض المشروع السياسي الأميركي ـ الإسرائيلي الذي يطلق عليه "صفقة القرن" هذا المشروع الذي أخذ بالتراجع مؤخراً بالنظر إلى عدم توفر شريك فلسطيني، لهذا فإن الهدف الأساسي من وراء هذا الحراك الواسع، توفير مثل هذا الشريك، ولو أدى ذلك إلى تحول الانقسام الفلسطيني، إلى انفصال فلسطيني، بفصل غزة عن محيطها الفلسطيني الشامل!

لذلك كله، نرى أن أي حل لمشاكل وأزمات قطاع غزة، يجب أن ينطلق من الأبعاد السياسية الواضحة، وتحديدًا، انطلاقًا من تجاوز الخلافات التي اعترضت ولا تزال ملف إنهاء الانقسام، إذ لا يمكن حل مشكلات قطاع غزة في ظل الاشتراطات الأميركية ـ الإسرائيلية، كما أن الحديث الخادع عن فصل الإنساني عن السياسي، أودت به التحركات الإسرائيلية السياسية والأمنية التي أشارت بوضوح في ظل الاشتراطات التي تم تداولها، ان لكل حل ثمناً، حتى لو كان هذا الثمن، يبدو وكأنه في إطار تبادل التزامات موقعية، كالمعابر وزيادة مسافات الصيد ووقف الطائرات والبالونات الحارقة، علمًا أن معظم هذه الالتزامات تكرر الحديث عنها، والاتفاق عليها في معظم الأحوال، إثر كل حرب من الحروب الثلاث التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، إلاّ أن الفرق الأساسي هذه المرة، أن هناك تصعيدًا إسرائيليًا من جهة، وخطة أميركية ـ إسرائيلية لتوظيف الأزمات والكوارث لتمريرها في إطارها السياسي. 

إن أي خطوة لمعالجة كافة الأزمات الإنسانية في قطاع غزة، تبدأ بتنفيذ حقيقي مخلص للاتفاقات الموقعة حول المصالحة والاستدارة إلى جوانب وملفات، هامشية رغم أهميتها، لا يعفي أي طرف من ضرورة اعتبار إنهاء الانقسام، بوابة أكيدة لاستعادة الوحدة، بما يمكن الشعب الفلسطيني من مواجهة كافة الاستحقاقات الخطيرة التي تنطوي عليها "صفقة القرن" الأميركية ـ الإسرائيلية! 

صحيفة الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

متعلقات