لعبة اسمها التدرجية

بقلم/ حسين حجازي

"إما ان نكون او لا نكون" هذا هو السؤال الآن. ردد الرئيس محمود عباس عبارة شكسبير الشهيرة على لسان بطله هاملت في واحدة من اكثر مسرحياته المأساوية دلالة على الشقاء الإنساني، وردد الحاضرون نريد ان نكون. وهكذا لم يمض مطولا الرئيس في خطابه أمام أعضاء المجلس المركزي، الذي أراد فيه ان يوصل رسائل مختصرة الى شعبه والى المتآمرين على الشعب، وقد تجاوز هذا الأب ما يمكن ان يكون عليه حال الابن عندما انطلقت ثورة جيله من الأبناء العام 1965 ضد الوصاية العربية. ومن اجل ان يملكوا قرارهم وإرادتهم المستقلة بحيث يبدو اليوم هو آخر ممثل لهذا الجيل، والقائد او الزعيم الأب على غرار ما كان عليه الحاج أمين الحسيني واحمد الشقيري وياسر عرفات.

ولذا كان خطابه عند هذا المفترق الذي وصفه بانه الأكثر خطورة من جميع التحديات التي واجهتها الوطنية الفلسطينية مفعما بالتحدي، والميل الى مواصلة القتال بلا هوادة او يأس او استسلام. مهيئا شعبه لفترة شديدة الصعوبة قادمة، قوامها ما لم نقبله من انتقاص الحق ومشروعنا ومطلبنا في الماضي لن نقبله الآن او غدا تحت الضغوط. وهكذا عبثا كل ما يفعلونه من اجل ان ينتزعوا استسلامنا.

هذه إذاً، لحظة فاصلة ويكفي فقط ان ننظر الى سطح الأحداث دون الحاجة الى الغوص في أعماقها، لنرى الى ما قد يبدو عليه ان الضوء رويدا رويدا يصبح خافتا اكثر من أي وقت مضى في نهاية النفق، الضوء الذي طالما تحدث عنه عرفات في نهاية هذا النفق او الانتظار في ممر الماراثون الإغريقي الشهير، الذي حمل طابع المأساة ولكن البطولة على حد سواء.

فهذا هو الانقسام الأبدي بل الخرافي والذي لا ينتهي يوشك على التحول الى انفصال جغرافي، وإذا كانوا ترددوا حتى الآن أمام الخان الأحمر، فان الخطر واضح، ان تقويض حل الدولتين وتفكيك هذا الحل كما لاحظ وزير الخارجية الروسي ومفوضية العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي السيدة موغيريني يتم بعد إخراج غزة، وفصل الضفة نفسها الى كانتونات او جزر معزولة او هكذا يخططون او يحلمون او يمكرون مكر الليل والنهار.

وبينما يجري ذلك يخرج علينا او يطل فجأة السلطان قابوس بن سعيد ووزير خارجيته المخضرم يوسف بن علوي، الذي يعتبر الآن وبعد رحيل سعود بن فيصل وزير خارجية السعودية السابق هو الأكثر قدما من بين وزراء الخارجية العرب.

والقصة واضحة فان سلطنة عمان ليست وسيطا وإنما مسيرة او مساعدة، وقديما قيل "يسروا ولا تعسروا". وكان هذا الفعل الذي لم يخل من صدمة كهربائية تمثلت باستقبال بنيامين نتنياهو وعقيلته سارة وحاشيته في بيت البركة وهو اسم القصر الذي يستقبل فيه السلطان الملوك والأمراء والرؤساء، بدافع على ما يبدو بطلب من دونالد ترامب لإقناع محمود عباس بان في صفقة القرن ما سوف يعجبه ويرضي شعبه المظلوم.

وفي هذا البعد او الزاوية من القصة ان اربع دول صغيرة من دول الخليج العربي وهي البحرين والإمارات العربية وقطر الى جانب سلطنة عمان، إنما هي الدول الأربع التي يشار إليها الآن بالبنان على انها صاحبة السبق في الاختراق الذي نجح نتنياهو به في الالتفاف على المبادرة العربية للسلام، وتطبيع العلاقات أولا مع إسرائيل. ولا يستثنى من دول الخليج الآن سوى الدولتين الكبيرتين أي السعودية والكويت.

ولكن السعودية يضربها الآن الزلزال وان كنا لا نعرف بعد مآل تداعياته وارتداداته على المملكة والمنطقة عموما. وهنا ربما نطرح سؤالا ان كان صعود الدور العماني في هذا التوقيت يشير بطريقة خفية الى استبدال الأحصنة او الأدوار من جانب إدارة ترامب بعد ان خاب رهان سابق على السعودية، او لتكون هي المدماك العربي والإقليمي لتسير خطته للسلام التي سماها صفقة القرن. وتحت تأثير الضغوط الداخلية في أميركا على الإدارة فقد لا يعرف بعد ما هو مصير التحالفات الجيوسياسية في المنطقة، وما هي الرؤوس او الأحصنة التي سوف يضحى بها او تسقط.

وفي طرف المشهد أيضا قد يبدو نتنياهو عند هذه اللحظة في ذروة شعوره بالانتصار او النجاح او اقله عدم فشل، عدم فشل مشروع اليمين الأيديولوجي والراديكالي الذي يمثله. فها هي وزيرته للثقافة تذرف عيناها دمعا في دولة الإمارات العربية أمام رؤوس الأشهاد، وهي ترى وتسمع الى نشيد إسرائيل "هاتكفا"، وهو يعزف في صدمة كهربائية أخرى في دولة عربية.

وعندما سئل يوسف بن علوي عن زيارة نتنياهو من اجل السلام، قال، "ولم الاستغراب او السؤال أوليست إسرائيل دولة معترفا بها من دول الشرق الأوسط؟"، اجل هذا صحيح ولكن وزير الخارجية كان يتحدث عن هذا الأمر الطبيعي والسيدة ريغيف وزيرة الثقافة كانت عيناها الظلامية ضد المثقفين والثقافة بشكل عام تذرف الدموع تأثرا، في نفس الوقت الذي كان فيه الرئيس ابو مازن والفلسطينيون قد طفح كيلهم ويناقشون أمر تعليق هذا الاعتراف التاريخي الذي منحوه لإسرائيل. فأي المشهدين كان خارج النص؟.

وقال صائب عريقات في هذا الوقت بعد اتخاذ المجلس المركزي القرارات الصعبة، ان اهدؤوا أيها الفلسطينيون من أصحاب الرؤوس الحامية، فلا نريد ولا نستطيع ان نقفز في الهواء. وكأن الرجل يقر او يعترف بان تركة اتفاقية أوسلو هي أثقل على ظهر الفلسطينيين من ان يقدروا على التخلص منها دفعة واحدة او مرة والى الأبد. ومرة أخرى بعد مرة أخرى سابقة سوف يعثرون على كلمة السر عند هذا الاستحقاق أي "التدرجية".

بدورهم، بعد جهد مضني سوف يتوصل المصريون الى ان هذه التدرجية او المرحلية هي الحل السحري الوحيد والممكن لإنهاء الانقسام بين "فتح" و"حماس". في المرحلة الأولى تتمكن السلطة بالسيطرة على الوزارات المدنية، ثم بعد ذلك على الشرطة والمعابر، ثم أخيرا بعد ثلاث سنوات إذا سار كل شيء على ما يرام يصار الى السيطرة الأمنية.

وهذه هي التدرجية او النظرية نفسها ما يجري تطبيقها بصورة توافقية بين مصر الوسيطة وكل من إسرائيل و"حماس" معا، للتوصل الى ما يسمى اتفاقية التهدئة او تثبيت هذه الاتفاقية نفسها التي أبرمت العام 2014 بعد الحرب الثالثة بين إسرائيل وغزة. وحيث يبدو اليوم اننا قد نشهد اللحظات الحاسمة لإخراج الاتفاقين التهدئة والمصالحة معا، بعد ان قام الرئيس محمود عباس بالذهاب للقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ يوم امس، حيث ان هذين الملفين سوف يكونان قد طرحا على الطاولة بين الرجلين.

هي لعبة تكتيكية إذاً، تظهر المأزق الاستراتيجي لجميع هؤلاء اللاعبين الأربعة في عدم قدرة او رغبة أي طرف منهم القفز في المجهول، والقيود التي يواجهونها في قدرة أي منهم على الحسم او إنهاء اللعبة لمصلحته وحيدا. فلا إسرائيل و"حماس" قادرتان او راغبتان في الذهاب الى حرب رابعة لن تغير واقع الحال القائم، ولا السلطة او الرئيس ابو مازن قادر ان يفرض في غزة وعلى "حماس" معادلته أي إما نستلم السلطة كلها في غزة بقضها وقضيضها او ان تتحمل "حماس" عبئها وحيدة. ونفس الشيء ينطبق على قدرة "حماس" ان تنفرد في حكم غزة بعيدا عن الشراكة او الارتباط بهذه الأطراف الثلاثة.

هل نحن إذاً، وحيدون في المأزق ؟ ام ان هذا في واقع الأمر مأزق فلسطيني وإسرائيلي متبادل ومشترك على أي حال؟، اذا كانوا هم في اليمين المتطرف لا يستطيعون بدورهم بالرغم مما يبدو عليه سطح الأحداث غير ذلك من الحسم الاستراتيجي في معركتهم الرئيسية، أي ابتلاع الضفة. اذا كانت غزة ليست هي الهدف الاستراتيجي بالنهاية.

والراهن انهم قد يبدون في وضع جيد بل ومنتش فرحا بفوز اليمين الشعبوي في البرازيل، والحديث عن ان هذه الدولة الكبيرة في أميركا اللاتينية قد تكون الدولة الثالثة التي تنقل سفارتها الى القدس. وباختراق دول الخليج العربي ودول البلقان جنوب أوروبا والحديث في لقاء نتنياهو مع هذه الدول الأخيرة من دول البلقان عن نفاق الاتحاد الأوروبي أي دوله الكبرى والمركزية، فقد ينشأ الانطباع المضلل والخادع لهم من ان إسرائيل تشعر ان الفلسطينيين ينهزمون.

ولكن في نهاية عمل النهار فإن القانون الصلب الذي يحكم المعادلة او الصراع على الضفة، سوف يظل يتمثل بتوازن العلاقة بين الجغرافيا والديموغرافيا. واذ اختار نتنياهو الجغرافية أي السيطرة على الأرض فعليه ان يعرف بأن الديموغرافيا التي لن يستطيع التخلص منها، إنما هي اللقمة التي لا يمكن وليس بمقدور إسرائيل ان تبتلعها. إسرائيل التي ستظل ورغم كل تفوقها الحداثي من الناحية الجيواستراتيجية دولة صغيرة ليس بمقدورها ابتلاع الفلسطينيين، وهذا هو القانون الذي يضرب جذوره في المسألة.


صحيفة الأيام

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"


متعلقات