أن تكون في لندن...!

بقلم: أكرم عطا الله

أن تزور لندن يعني أن تعاهد تلك المدينة الجميلة بأن تعود لأنك لم تستكشف كل تفاصيلها بعد، ليس فقط لأنها تتمدد على بقعة كبيرة من الجغرافيا، بل لأن للمدينة تاريخًا حافلًا منذ أن كانت عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، قبل أن تأخذ بالأفول حين بدأت الشمس تشرق على شعوب أخرى كانت تحت سيطرة التاج البريطاني، حدث هذا بعد الحرب العالمية الثانية عندما كانت واشنطن تتجهز للوراثة بالقوة أو بالحيلة أو بالأمر الواقع الذي كان يتبلور مع النصف الثاني للقرن العشرين.

تبدو لندن كأنها عاصمة التاريخ. من هنا كانت الجيوش والعروش تحلم بالسيطرة على الكرة الأرضية، ومن هنا اجتاحت جيوشها كل بقاع الكون لأن شعلة الثورة الصناعية التي كان لهذا البلد فضل إيقادها وإحداث تلك النقلة النوعية على مستوى العالم كان لا بد أن تفعل فعلها حين أصبح فائض الإنتاج بحاجة إلى أسواق، وأصبحت الماكنات المخترعة تلتهم أكبر قدر من المواد الخام.. من هنا بدأت فكرة السيطرة على الشعوب وثرواتها.

لكن الأمر لم يعد يتوقف هنا، فقد كان قدر التاريخ أن يفصل بين زمنين في العالم.. عالم ما قبل الثورة الصناعية وعالم ما بعدها، وقد كان لهذه الثورة التي أحدثت ثورات ارتدادية على مستوى كل شيء أن تمهد للثورة العلمانية، وهنا كانت أوروبا تضع أولى خطواتها على طريق مختلف بأولى خطوات الطلاق التام مع عصر الكنسية والحكم الديني وسيطرة الكنائس نحو عالم حديث وهو حكم الشعوب.

لذا فإن المقارنة مع العالم العربي تبدو بعيدة؛ لأنه عالم لم يمر بتلك المراحل التاريخية وتلك الزلازل من الثورات سواء الصناعية أو العلمانية، وما زالت المدن العربية أشبه بقرى تضخمت ومستوى التصنيع العربي أقل من أن يحدث نقلة في علاقات البشر نحو الحداثة أو التطور أو يمهد لثورة علمانية كما حدث هنا.

لندن مدينة رصينة تبدو جدية طوال الوقت، نظامية حد الجمود كأن كل شيء يسير وفقًا لآلات وكاميرات وقوانين بعيدًا عن أنسنة البشر، والناس فيها يركضون طوال الوقت كمن لدغتهم أفعى. يواصلون إرثهم الذي أنتج كل هذا التحول ليس فقط على مستوى أوروبا بل طالت أصابعه وأقدامه شرق آسيا والشرق الأوسط والمدن الأميركية قبل أن تقوم هناك ثورة الشاي على يد جورج واشنطن.

وأنت في لندن يمر شريط التاريخ أمامك وتفتش في ذاكرتك عما نسيت مما قرأت كمثقف، ومما درست في فصول المدرسة، والتي كان لهذه المدينة أن تحفظ لنفسها فصولًا في كتب الدراسة، وتتذكر أسماء ملوكها وأباطرتها وقادة الجيوش من ريتشارد قلب الأسد وصولًا لمونتغمري والقواعد البريطانية التي كانت تنتشر في كل الأراضي، وكيف ستتذكر إرثها الأسود حين أهدى وزير خارجيتها بلفور بلادك إلى الحركة الصهيونية هكذا وبكل بساطة.

حين تزور وسط البلد ترى أبهة الأماكن والبرلمان، وكاتدرائية ويست منستر ساحة الطرف الأغر، أما مجلس الوزراء ذو المدخل المتواضع الذي ما زال يأخذ رقم شقة منذ العام 1735 بعنوان 10 داوننغ ستريت بقي كما هو لتشعر أن البريطانيين فخورون بتاريخهم وتراثهم حتى وإن كان من سبقهم يختلف معهم، وليس مثلنا نحن العرب نهدم تاريخ من سبقنا لنبدأ من جديد.. وهكذا بقي العالم العربي عند نقطة الصفر في بداياته فيما العالم وضع تاريخه كدرجات سلالم ليصل إلى القمر والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

لندن كأنها عاصمة الكون حقاً، فكل الأجناس وكل الألوان وكل الثقافات تجدها في شارع واحد.. من أهل البلاد والملونين والأفارقة والمسلم بلحيته واليهودي والسيخ بعمامته والهندي كلهم، لكن كما فهمت من أبناء جاليتنا أنه لا أحد يشعر بالتميز ولا أحد يشعر بالاستعلاء، فالأساس هنا هو الإنسان وهو القيمة الأولى والأخيرة، وكل القوانين تسخر لحمايته ورعايته وتأمين متطلبات حياته ورفاهيته، فتلك وظيفة الدولة وأجهزتها وشرطتها.. همها الأول خدمة الناس.

لكن أن تزور لندن مصادفة بالتزامن مع ذكرى وعد بلفور، يعني أن تستعيد إرث التاريخ السيئ لهذا البلد الذي تسبب بتشريدك من وطنك في أكثر المؤامرات انكشافًا، حين تصرفت هذه الدولة بغطرسة لا مثيل لها بأن تهدي وطنك على ورق لأبناء ديانة أخرى أو قومية أخرى وتسمي نفسها وصية على هذا الوطن التاريخي، وتنتهي الوصاية بأن يتم تسليمه باليد لمحتليك.. تلك تترك جرحًا غائرًا لأي فلسطيني، سببته بريطانيا، لا يداويها الزمن ولا يعالجها كل السلوك البريطاني والذي لم يفكر حتى الآن بتعديل تلك الجريمة.

لم تعد بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وإن كانت حتى اللحظة مسكونة بهاجس العظمة، إذ تستقبلك في مطار هيثرو لافتة مضيئة مكتوب عليها "أهلًا بكم في بريطانيا العظمى"، لكن ما حدث لأوروبا قبل أكثر من سبعة عقود وطلب النجدة من الولايات المتحدة التي سحقت هتلر خلخلت كل موازين القوى في العالم، وأسدلت الستار على عظمة الإمبراطورية ونقلت مركز القرار إلى واشنطن.

لكن مدينة الضباب لم تغب تمامًا وما زالت تزاحم في السياسة، لم يخفت حضورها تمامًا وتحولت إلى عاصمة الصحافة. ربما أن الجغرافيا ما زالت في صالحها؛ لأن فرق التوقيت بين العالم وواشنطن أكبر من أن يسمح بتواصل سياسي أو إعلامي مباشر يتناسب مع ساعة الشرق الأوسط، لذا حافظت لندن على لقب عاصمة الصحافة حيث الصحف والمجلات والفضائيات بما فيها العرب الذين يعتقدون بأهمية هذه العاصمة، لأنها تحتفظ بكل ملفات السياسة الدولية منذ أن أصبح هناك فائض في الإنتاج واحتاج رأس المال إلى جيوش تفتح له الطريق لتعبر المتوسط باتجاهنا قبل أن تحدث الولايات المتحدة تلك الإزاحة طاردة إرث الامبراطورية، لكنها لم تطرد نتائجها بل ورثتها تمامًا.

يحتاج المرء إلى زمن أطول لاستكشاف مدن كتبت التاريخ بخيره وشره، باختراعاته واحتلاله. كيف توفرت الظروف في لحظة ما لترسم العالم وما زالت الخرائط التي وضعتها كما هي؟ تلك أحجية ربما لأنها بقيت أقوى مما نعتقد أو نحن أضعف ممكن نعتقد. وربما أن تلك حقائق التاريخ ولكن بين تاريخ عاصمة أفلت إمبراطورتيها لكن ما زالت تلعب هذا الدور، وحيوية تضج بها مركز المدينة، الكثير مما يقال ويكتب.

صحيفة الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

متعلقات