بيضة القبان

بقلم: حسين حجازي

حين يطول أو يتمدد نزاع كالذي نخوضه ضد الاحتلال الإسرائيلي أقله منذ خمسين عاماً، لكي نحقق استقلالنا وأن نكون أحراراً ولنا كرامتنا دون أن تبدو علامات قريبة على نهاية هذا النفق أو قرب خلاصنا، فإنه يجب أن نتوقع في هذا التطاول الزمني الذي قد يشبه تمدد الإنسان في العمر، فإن متغيرات أو أحداثاً غير سارة يمكن بل ومن المنطقي أن تحدث، ولعلنا نذكر في مهاد هذه الحركة التحررية الكبرى أننا قرأنا ما كتبه فلاسفة ومنظرو هذه الثورات حول العالم عن قانون المد والجذر، الذي يشبه علاقة القمر بالبحر أو الماء. كما الحديث عن الطريق الصعب غير المفروش بالورود وإنما بالأشواك أو المنعرجات والمنحنيات والذي طالما تحدث عنه عرفات.

وربما أردنا من خلال تذكير أنفسنا بذلك التخفيف من شعورنا بالصدمة هذه الأيام أو خيبة الأمل والخذلان أو حتى الإحباط، أمام ما يبدو اليوم وكأنها اختراقات نوعية بل وربما إستراتيجية يحققها بنيامين نتنياهو رئيس حكومة دولة الاحتلال، فيما يسمى تطبيع العلاقة مع بعض الدول العربية والإسلامية، ما يعني الالتفاف على القاعدة الأثيرة التي نتمسك بها باعتبارها البوابة التي يجب مهما طال الزمن أن يقبل بها الإسرائيلي من أجل إحلال السلام، أي ورقة الإجماع أو الاصطفاف العربي والإسلامي حول شرط إنهاء إسرائيل الاحتلال أولاً مقابل علاقات طبيعية مع العرب والمسلمين.

وكنا هنا، في وقت سابق قبل أن تظهر هذه العلامات الفارقة، حاولنا التقليل من خطورة أو أهمية الأحاديث الإعلامية عن حقيقة ما يجري، وربما كان ذلك لسببين: أولاً لأنه لم تكن ثمة شواهد كبيرة أو خارقة يمكن الاعتداد بأهميتها أو قد تنطوي على أحداث خرق وازن وإستراتيجي. والسبب الثاني الذي لا يزال مؤثراً وحاسماً إلى الآن وهو أننا كنا ولا نزال نعتقد أن هناك عاصمة عربية وإسلامية تعتبر هي المفتاح أو البوابة الحاسمة أو بيضة القبان لأرجحية حدوث هذا التحول، وهذه العاصمة هي الرياض وشخص خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، وطالما أن المملكة العربية السعودية لم تعط الإشارة إلى هذا التطبيع فإن الإجماع العربي والإسلامي لا يزال قائماً.

والواقع أن الملك سلمان ذهب إلى أبعد من ذلك في التأكيد على موقف السعودية التقليدي لأبناء عبد العزيز من ملوك آل سعود، حينما رد على صفقة ترامب ونقل سفارته إلى القدس العام الماضي بإطلاق اسم القدس على القمة العربية التي عقدت في الظهران ولا يزال يرأسها.

فما الذي تغير منذ ذلك الوقت أو في الآونة الأخيرة حتى أصبح موضوع التطبيع يقرأ بصورة جدية الآن؟ والجواب كما أصبح معروف أنه بصورة مفاجئة ومن دون سابق إنذار استقبل بنيامين نتنياهو وزوجته سارة وحاشية كبيرة رافقته في قصر السلطان قابوس بن سعيد، القصر الذي يسمى بيت البركة. ورأينا هنا في وقت سابق أن ما حدث يعطي إشارة إلى أنه في ذروة الأزمة الكبرى والتي لا تزال السعودية تعاني من أصدائها على خلفية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بتركيا، ربما أرادت إدارة ترامب الطلب من عُمان لعب دور في إقناع القيادة الفلسطينية التخلي عن رفضها التعامل مع خطة ترامب المسماة «صفقة القرن».

لكن ومع الزيارة الأخرى المفاجئة ولكن هذه المرة لرئيس إفريقي إسلامي إلى إسرائيل علناً، هو رئيس دولة تشاد إدريس ديبي، والأحاديث التي سربها نتنياهو شخصياً أو المقربين منه عن أن الأيام القادمة حافلة بمثل هذه المفاجآت، عن زيارات أشبه بالفتوحات الدبلوماسية للرجل إلى دول عربية أخرى، ذكر بينها السودان والبحرين والإمارات العربية. فإن الصورة أصبحت واضحة من أن هذه الاختراقات تتم بدعم وضغط ودفع من جانب إدارة دونالد ترامب.

وإذاً وعليه بدا الأمر كجزء لا ينفصل عن التمهيد العملي لطرح صفقة القرن، خصوصاً أن هذه التحولات في المدى الإقليمي ترافقت أو تزامنت مع إعلان الإدارة الأميركية أنها انتهت من وضع اللمسات الأخيرة على خطة السلام العتيدة. وذهب الرئيس الأميركي في هذا التوقيت أبعد من ذلك حين صرح علناً أن وجود أميركا في الشرق الأوسط هو فقط من أجل خدمة إسرائيل، وأضاف إلى ذلك تصريحه الشهير بأن السعودية هي التي تقوم بحماية إسرائيل ووجودها، وأنه لولا السعودية لكانت إسرائيل في مأزق. وكان هذا التصريح الفاقع مزدوج الهدف: أولاً كتبرير لموقفه من تحاشي إدانة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في قضية مقتل خاشقجي، بخلاف موقف الـ CIA. وثانياً وهو الهدف المخفي للغمز علناً من قناة ولي العهد والسعودية، والإيحاء لهم بتقديم الدعم علناً في هذا المسار أي تطبيع علاقتها مع إسرائيل، أو أقله أن تعطي الإشارة برفع الفيتو أو الممانعة للدول العربية والإسلامية الأخرى أن تقوم بذلك.

وهكذا قد نصل الآن إلى النقطة المفصلية أو الدقيقة والحاسمة في تقرير مصير هذه الخطوة ككل والمدعومة أميركياً وعلناً بامتياز، وهذه النقطة هي التي تتمثل بالمآل الأخير لما يمكن أن تنتهي إليه الأزمة الكبيرة التي لا تزال السعودية تحت وطأتها، تحديداً على نحو أدق انعكاس هذه الأزمة على البنية الداخلية لمستقبل ولي العهد السعودي، وموقف العاهل السعودي الملك سلمان نفسه الذي يبقى هو صاحب الخيارات.

والراهن أن الأمير الشاب استطاع عبر رحلته التي بدت كهجوم سياسي قادته لزيارة عدة بلدان عربية، وحضور قمة دول العشرين الأغنى في العالم بالأرجنتين، إعطاء الانطباع من أن البنية الداخلية للعائلة الحاكمة ما زالت متماسكة، وأن الرجل والسعودية قررا عدم الاختباء أو الخضوع لضغط الأزمة وإنما مواصلة التحدي.

وإذا كان ترامب أبقى خيار الالتقاء به غامضاً، فإن بوتين وماكرون ورئيسة وزراء بريطانيا قرروا الاجتماع معه ولم يتهربوا من اللقاء به، وهذا يعتبر بالنسبة للرجل بمثابة انتصار أو تجاوز جزئي للأزمة. إذا كان ولي العهد يدرك كما بات يدرك الجميع أن المآل الأخير لهذه الأزمة كما المصير السياسي لمستقبله، إنما أصبح يتحدد في المآل الأخير الذي ستنتهي إليه الأزمة غير المسبوقة التي تجري الآن داخل الولايات المتحدة بين الدولة العميقة جمهوريين وديمقراطيين ومعهم الصحافة والـ CIA ودونالد ترامب على خلفية هذه القضية، أي الموقف من ولي العهد السعودي.

بهذا المعنى، فإن المصير النهائي لهذه العملية ربما لن يتضح في المدى القريب، حتى وإن كان واضحاً أن هذه الاختراقات التي لا تزال جزئية ما لم يحدث التصدع الكبير في موقف السعودية، هي كافية لأن يشعر رئيس الوزراء الإسرائيلي بالرضا عن أدائه أمام الإسرائيليين مع قرب الانتخابات العامة في إسرائيل، باعتبار هذه الاختراقات إنجازاً سياسياً يضاف إلى رصيده في الاقتصاد والاستيطان وعدم التقدم في ما يسمى عملية السلام مع الرئيس محمود عباس، خصوصاً إزاء قاعدة انتخابية تميل إلى التطرف اليميني، والنظر إلى ذلك كنجاحات عبقرية تحسب له في مواجهة الفلسطينيين المحشورين في الزاوية.

ولكن بهذا المعنى ونفس القدر، يجب أن ننظر في الوقت نفسه إلى الإشارات الصادرة عن الملك سلمان، والتي تصب في الاتجاه المعاكس لما يصرح به دونالد ترامب وما يسعى إلى تحقيقه بنيامين نتنياهو، وربما الإشارة هنا هي تفعيل القرار السعودي بدعم وكالة الغوث بمبلغ خمسين مليون دولار، وهو المبلغ الذي جاء تحويله إلى الوكالة كما يقول المتحدثون باسمها في وقته تماماً. وهذا الموقف يأتي بعد إعلان الملك أمام مجلس الشورى قبل أيام عن أولوية القضية الفلسطينية بالنسبة للسعودية.

وإذا ما ربطنا هذا الموقف بموقف غير مسبوق للأمين العام للأمم المتحدة في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، أول من أمس، وسمعه كل العالم، حول دعمه لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 بما في ذلك عاصمتها القدس الشرقية. وهو كلام يقال لأول مرة بهذا الوضوح على لسان ممثل أعلى مرجعية في العالم، خصوصاً بالنسبة للقدس، فقد يكون من الوهم أو العبث أخيراً هذا السعي لاستبدال تحقيق السلام مع الفلسطينيين الباقين هنا إلى يوم الدين، وصنع هذا السلام مع دول تبعد آلاف أو مئات الأميال عن قلب الصراع هنا، الذي من دون صناعته ودفع استحقاقه لن يكون هناك سلام أو استقرار.

عن صحيفة الأيام

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"

متعلقات