Menu

الشيخ عزام: معايير نُسِفت من حياتنا تعود إليها لتُعيق الصعود الذي يخشاه أعداؤنا.. ماذا يحدث؟!

شمس نيوز/ غزة

أكد عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الشيخ نافذ عزام، أن استنهاض الأمة يَفرضُ على جميع مكوناتها، أن تجتمع وتُشخص الأزمات التي تعيشها، وتعمل على علاجها وتفكيكها، مشدداً في الوقت ذاته، على أهمية ألا يتسلل اليأسُ والإحباطُ لمساعي الإصلاح، وبدء مسيرة البناء من جديد.

جاء حديث الشيخ عزام، في إطلالةٍ له على قناة "القدس اليوم" الفضائية، مساء أمس الأحد، من خلال برنامج "هذا المساء".

وانصب النقاش مع الشيخ عزام، في البرنامج، تحت عنوان "الأمة بين مقومات النهوض، وواقع الانتصار"، ليصل إلى نتائج واستخلاصات هامة، أبرزها أن الإسلام يجب أن يدير شؤون الحياة، وهو لم يكن في يومٍ من الأيام مجرد طقوس أو شعائر، بل جاء ليُحدث تحولاً بل ثورةً في الرؤى والوعي والسلوك.

وأشار إلى أن الإسلام جاء في واقعٍ تسوده العصبيات، وغاب عنه الوعي، ولم يكن العربُ يمتلكون إلا البيان أو اللسان فقط.. جاء الإسلام فأحدث التحول الهائل في حياتنا، وأكسب معانٍ جديدة لدور الإنسان في الحياة، ودور الدين، وبالتالي صنع منهم أمة، بعد أن كانوا قبائل تقتتل ويُفنِي بعضهم بعضاً لأتفه الأسباب.

وأوضح الشيخ عزام، أن حروباً طاحنة استمرت عشرات السنين، كحرب "داحس والغبراء"، كانت بسبب سباق خيل، وحرب "البسوس"، التي استمرت أربعة عقود، وفنت خلالها أجيال، كانت بسبب ناقة اعتدت على بستان لأحد ملوك العرب، لافتاً إلى أن هذا كان حال العرب، وكانت القبيلة تتعصب ضد القبيلة الأخرى، وأقصى ما قدمه العرب هو اللسان.

وأضاف "جاء الإسلام ليُحدث ثورةً بكل معنى الكلمة، ويصنع من العرب أمةً تعرفُ معنى الحياة، وتعرفُ كذلك دور الإنسان، واستطاع أن يؤلف بين القبائل المختلفة، ويزيل الحواجز التي كانت موجودة، حواجز الطبقية، والعرقية، والإثنية، ووصل الأمر بالفاروق عمر (رضي الله عنه)، أن يقول بحق بلال العبد الحبشي ذو البشرة السوداء، :" أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا".

وشدد الشيخ عزام على أن الأمة صعدت عندما جعل الإسلامُ الإنسانَ يعرف ذاته.. يعرف أهمية وجوده في الحياة، وحدد له الأهداف، وربطه بخالقه، وبالتالي أصبحت العلاقة بين العبد وربه، علاقةً حيّة، مستشهدًا بقول الله تعالى: "قل هذا سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني".

ونوه إلى أن الإسلام صعد لأنه نسف المعايير التي كانت تُفرق بين الناس، العرق، واللون، والمال، والقبيلة، وعزز بدلاً منها معايير جديدة تقوم على التقوى، والوعي، والكفاءة، مستشهداً بقول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وقوله كذلك :"قل هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون"، وقوله عز وجلّ أيضاً :" يرفع اللهُ الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات".

وقال الشيخ عزام :"صعدت الأمة عندما حازت شروط الصعود، وعندما امتلكت سر القدرة، ليصبح بموجبها الإنسان قادراً على إحداث الثورة في الحياة، وامتلاك نموذج تسمو به الحياةُ الإنسانية".

وتابع "الانتصارات التي حققها المسلمون الأوائل في المعارك التي خاضوها، كانت فيها الأعداد والعتاد، أقلَ من عدد وعدة أعدائهم، لكنّ السر وراء تلك الانتصارات العزيمة، يكمنُ في مسألة الإرادة، والعزيمة، والشخصية، شخصية الأمة، والكيان الذي بنته".

وبيّن الشيخ عزام، أن الإسلام جاء ليضفي للأمة شخصية، وليتميز هذا الإنسان، ويُمنح حرية كبيرة، ويكتسب جرأة وقدرة على مواجهة الباطل والشر والخطأ، أياً كان شكل هذا الباطل، وهذا الشر".

وتحدّث عن نموذجٍ لصحابي، كان نموذجاً على التحول الذي حصل، وهو ربعي بن عامر، الذي تحدّث بمنطق ووعي وحكمة عندما سُئل عن سبب مجيئهم لقتال العدو، فأعداؤنا كانوا يريدون أن يعرفوا ما الذي حدث؟، ويريدون فهم هذا التحول الذي جاء بالعرب البدو الصحراويين، إلى قلب الإمبراطورية الساسانية العريقة، فأجابهم ربعي بهذه الصورة المختصرة، :"لقد ابتعثنا الله بالحق لنُخرِّج من شاء من عبادة العباد، إلى عبادة ربِّ العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سَعَة الدنيا والآخرة"، ليُلخّص باختصار أسباب الصعود.

ولفت الشيخ عزام، إلى أن الصحابي ربعي كان يتحدث بهذا الفهم المتطور جداً لطبيعة الرسالة، ولجوهر الإسلام، وجوهر الحضارة.

وتناول نموذجاً آخر، سجّل حضوراً لافتاً يوم بدر، وهو من أيام العظيمة.. يومٌ وصفه القرآن، بيوم الفرقان.. يومٌ نزلت فيه الملائكة لتقاتل، وهذا اليوم من بداياته كان يُصنع على علم الله في القرآن، قال تعالى: "كما أخرجك ربك من بيتك بالحق"، فالله كان يرسم الخطوات منذ أن خرج النبي (صلى الله عليه وسلم)، وقد خرج للغنيمة، وعسكر في مكان، ليخرج أحد الجنود، وهو الحبّاب بن المنذر، الذي عبّر عن هذا التحول الذي حصل، فسأل النبي: "أمنزلاً أنزله الله فلا نتقدم أو نتأخر؟"، بمعنى هل هو الوحي أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟، فرد النبي (صلى الله عليه وسلم): "بل هو رأي"، فهو لا يريد أن يُلزم الناس، ولا يريد أن يُجبرهم على شيءٍ يُريده، وهذا سلوكٌ نبوي يغيب عن حياة الأمة اليوم.. تخيل هذا جندي أمام القائد، في هذا الوقت الحساس، في معركة تُصنع على عين الله، يمتلك الجرؤة ليقف معترضاً في أول مواجهة بين المسلمين والمشركين، فقبل النبي (صلى الله عليه وسلم) اعتراضه، وأخذ برأيه، ليضرب بذلك مثالاً في سعة الصدر، والاسترشاد برأي أصحابه ومؤيديه، وعدم الاستكبار عند سماع الرأي الآخر.

وأكد الشيخ عزام إلى أن النبي كان سعيداً بهذه الآراء، فهو من عزز مبدأ الشورى لدى أصحابه وأنصاره، وكان يحثهم باستمرار على قول الحق، والجهر بالحق، وكان يحترم عقولهم، ويحثهم على المنافسة، وبذلك حققت الأمة صعوداً، وعندما غابت هذه العناصر، وهذه الصفات، وهذه البيئة، عاشت الأمةُ الانحدار الذي نعيشه اليوم، مع كل أسف.

وكان حاضراً في حديث الشيخ عزام، قصة النبي مع جندي آخر في معركة بدر، فبينما كان (صلى الله عليه وسلم) ينظم الصفوف ويسويها استعداداً لخوض المعركة، كان هناك جندي متقدم عن الصفوف اسمه سوّاد بن غزي، حينها وخزه النبي (صلى الله عليه وسلم) بما نسميه العود، وخاطبه قائلاً له: استوِ يا سوّاد، فرد على النبي: لقد أوجعني يا رسول الله.. قال له: ماذا تريد؟، فكان رده: القود، بمعنى أنه يريد أن يردها للنبي، فكشف النبي (صلى الله عليه وسلم) عن بطنه الشريف، وقال له: استقضي يا سوّاد (ردها)، فحضنه سوّاد.

واستدرك الشيخ عزام "تخيل لو حدث هذا مع أحد الملوك أو الزعماء أو الرؤساء أو القادة اليوم.. ماذا كان سيحدث؟!".

وخلُص عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، إلى أن الأمة صعدت بوجود هذه القيادة، بهذا السلوك، وبهذه النماذج من الجنود، مشيراً إلى أن الإسلام يعزز سلوك القائد بالناس في المسجد، وفي السوق، وفي الشارع، وفي البيت، مع محيطه، مع أرحامه، مع أنصاره، ومع الجميع.

ونوه الشيخ عزام إلى أن دور أعدائنا الكبير فيما نحن فيه من تراجع وخذلان، لكنه رغم ذلك لا يُعفي كل عناصر الأمة، وتياراتها، والعلماء، والمثقفين، والنخب، والوجهاء، والسياسيين، من المسؤولية، طارحاً في السياق تساؤلاً هاماً: ما هو دورها تجاه أمتنا اليوم؟.

وبدأ الشيخ عزام الإجابة على تساؤله، قائلاً :"في السابق الأمة صعدت عندما تصرفت هذه الشرائح - التي عددها- باستمرار بشكلٍ إيجابي، ومارست دورها، ولم تتخل عن ممارسة دورها على الإطلاق، سواءً على صعيد التوجيه، والإرشاد، والنصح، والقيادة.. لم يتخلوا عن مسؤولية صناعة هذا النموذج، الذي تحدثنا عنه، وحمايته، والحفاظ عليه".

وتابع :"الأمة كلها تعاني اليوم، وأعداؤنا جاءوا بقوة الحديد والنار ليُحطموا هذا النموذج الذي نتحدث عنه، ويشوشوا على حياة الأمة".

ومضى الشيخ عزام :"دورنا في مواجهة واقعنا، لاسيما وأنه يعجُ بتحدياتٍ كبيرة ومتعددة، وأزمات مختلفة وحادة، أن نقود الناس، ونوعيهم، ونأخذ بأيديهم في مواجهة الظلم، والاستبداد، والقهر، وغياب العدالة وحق الرأي والتعبير، وفي مواجهة العدوان الخارجي الذي يضرب بلادنا".

وذكّر بأن هذه الأمة عاشت أمجد أيامها عندما استظلت بمظلة الإسلام، مشيراً إلى رسالة موجودة في كتب التاريخ، مرسلة من الملك جورج الثاني، ملك انجلترا والنرويج، إلى الخليفة هشام الثالث في الأندلس، الذي حكم من سنة 418 - 422 هجري، أي فترة أربعة أعوام، قبل ألف عام، جاء مطلع الرسالة حتى آخر سطر فيها، تمجيداً وتبجيلاً وتعظيماً بحضارة المسلمين في الأندلس، التي كانت عامرةً بمعاهد العلم، حيث طلب الملك جورج في سياقها، من الخليفة المسلم، أن يقتبس من الفضائل لنشر العلم في بلاده التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربع، ويختم رسالته تلك بإمضائه مخاطباً الخليفة المسلم، خادمكم المطيع جورج.

كما ذكّر بأنه بعد 200 عام على هذه الرسالة، التي أرسلها الملك جورج، أرسل ملك انجلترا جوهان، وفداً للبلاط الموحد في الأندلس يطلب منهم العون والمدد، حتى وصل الأمر بالملك بأن يعرض مسألة دخوله الإسلام مقابل خدمات من أمة الإسلام لبلاده!، حتى مع وجود بعض الانقسامات في الأمة وقتها!.

وتساءل الشيخ نافذ عزام بمرارة، بعد هذه الشواهد التاريخية التي استعرضها في سياق حديثه: أين وصلنا اليوم؟!، ليجيب على نفسه قائلاً "وصلنا أن نرسل البعثات إلى أوروبا.. وصلنا لانتظار كيس دقيق يأتي إلينا من هذه البلاد.. وصلنا لحد أن الرصاصة التي نستخدمها للدفاع عن أنفسنا وأمتنا ومقدساتنا تأتينا من هذه البلاد.. إذاً هناك مشكلة كبيرة".

ولفت إلى أن القوى الخارجية، حاولت طوال الوقت أن تقتل النموذج الذي أوجده الإسلام، لكن عندما فشلوا في ذلك، خططوا لمحاصرته.

ونبّه الشيخ عزام إلى أن أعداءنا اليوم يخدعوننا بأن الإسلام، سبب التراجع، والتخلف، وللأسف تشترك في هذه الخديعة مع هؤلاء الغزاة، الأنظمة التي حكمت في فترة ما بعد الاستقلال.

وأضاف "أنظمة ما بعد الاستقلال للأسف لم تدرك في غالبيتها أسباب قوة الأمة، ومع أن بعضها كان يدرك ذلك، لكنه أراد أن يُبعد الإسلام عن الحياة، كون الدين الإسلامي لا يقبل بالظلم، والاستبداد، وتكميم الأفواه، ونهب حقوق الناس، ومقدرات الشعوب"، مستشهداً بهذا الصدد بصنيع النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما جاء للمدينة المنورة، وأراد بناء المسجد الأول لدولة الإسلام، والذي تحدد مكانه بإرادة إلهية، عندما قال الرسول لصحابته: دعوها (ناقته) فإنها مأمورة، لم يأذن بالشروع في البناء، قبل أن يسأل عن أصحاب المكان، فعلم أن الأرض مملوكة ليتيمين، فتعهد لصاحبيها بدفع ثمنها، فيما اليوم تُسرق الحقوق جهاراً، وتنهب المقدرات، ولا ترى الشعوب منها إلا الفتات.

وتطرق الشيخ عزام، لكون الأنظمة التي حكمت بعد الخروج المباشر للاستعمار ساهمت في تعميق الأزمات، ففي أحيان كثيرة أبعدت الإسلام بالقوة، وفي أحيانٍ أخرى قدمت بدائل عنه، وفي أحيانٍ ثالثة أشاعت ثقافات، ومسالك، وسياسات تُبعد الناس عن الدين.

وعاد عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين للتساؤل، في إطار متابعة "شـمس نـيوز" للبرنامج: ما الذي يجري في عالمنا العربي والإسلامي اليوم؟!، مستهجناً في هذا السياق، المظاهر، والسلوكيات، والثقافات، والمشاهد التي أحدثت سلخاً للأمة عن هويتها، وفي أدنى الأحوال اليوم نجد الدين حُصر في المسجد فقط، والإسلام لم يأتِ بهذا، بل جاء ليضبط سلوك الإنسان في المسجد، وليضبط سلوكه أكثر خارج المسجد.

وأكمل الشيخ عزام :"الإسلام يُعنى بحياة الإنسان كلها، وكان من الطبيعي بعد ابتعادنا وتخلينا عن القيم التي عززها فينا ديننا وشرعنا الحنيف، أن تخسر الأمة في كل المواجهات التي خاضتها في العصر الحديث على أقل تقدير".

واستدرك قائلاً :" رغم ذلك تبقى هناك ومضات موجودة لهذا النموذج في عالمنا اليوم، لكننا نتحدث عن الحالة العامة، وعن كيفية إدارة شؤون الأمة؟!.".

وختم الشيخ نافذ عزام حديثه بالقول :"الإسلام يجب أن يدير شؤون الحياة بكافة تفصيلاتها، وهو لم يكن في يومٍ من الأيام مجرد طقوس وشعائر، لكن للأسف حصل فصلٌ منذ فترة، إلا أن هذا الأمر لا يجب أن يحبطنا، ويجعلنا نيأس، فالأمور ستعود لنصابها وسياقها الصحيح، كون ذلك وعد ألزم الله به نفسه، هذا سيحدث لا محالة، لكن متى؟.. هي التي نتحدث عنها".