كتب: عماد شيخ العيد أبو صالح
فلسطين تقع في قلب القرآن وهي آية من الكتاب، ففلسطين هي القضية المركزية بالنسبة للأمة الإسلامية والعربية، فهذا المنطلق القرآني يقود إلى فهم الإسلام بكافة أبعاده، وفهم الواقع، وفهم العالم، فجوهر الصراع في المنطقة هو صراع بين المشروع الاستعماري والمشروع الاسلامي، بين تحالف غربي صهيوني وبين الأمة العربية الاسلامية، فمكان الصراع يكمن ويتركز في فلسطين، وإذا أردنا أن نواجه المشروع الاستعماري علينا أن نبدأ من هنا من فلسطين، فطريق الجهاد في فلسطين هو طريق الخلاص وطريق النجاة لنا كأفراد وكمجموعات وشعب وأمة، هذا الوعي هو الذي خلق تنظيم الجهاد على الساحة الفلسطينية.
ان المبرر الأساسي لتشكيل واستمرار حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين هو مواجهة العدو مواجهة شاملة، والكفاح المسلح هو ذروة هذه المواجهة، والجهاد مستمر بلا توقف رغم الإمكانيات الضعيفة والمحدودة ومهما كان حجم الصعوبات والعذابات والتضحيات.
فان الجهاد والمقاومة المسلحة ضد العدو هو طريقنا للتحرير والخلاص، ومن هذا التصور وهذا الفهم تقدمت القلة المؤمنة 1982 وبدأت بإعداد وتكوين الخلايا العسكرية، ولم يأتي عام 1984 إلا وكانت هذه الخلايا قد بدأت جهادها المسلح ضد هذا العدو، وفتحت بذلك مرحلة جديدة من مراحل الجهاد الإسلامي، فكان الحجر وحرق العلم الصهيوني البداية، والسكين في يد خالد الجعيدي ونضال زلوم أصل للحكاية، حكاية جهاد ستشتعل.
فالعام الذي سبق اندلاع الانتفاضة الأولى من أكتوبر 1986 إلى أكتوبر 1987 كان عام الجهاد الإسلامي بامتياز حيث تميز بالعمليات الجهادية المسلحة، فكانت عملية باب المغاربة التي أصيب فيها سبعون جندياً بين قتيل وجريح، وكانت معركة السكاكين وقتل بني صهيون في أسواق غزة، وصلت ذروتها بالمعركة الشهيرة التي سقط فيها أربعة من أبناء الجهاد الإسلامي (معركة الشجاعية) والتي كانت الشرارة للانتفاضة، نعم كانت الشرارة، لتمتد النيران بعدها شيئاً فشيئاً لتصل كل مكان به العدو، مما أضطر رابين وزير الحرب أن يصرح: "إن مناطق الضفة والقطاع تشهد مظاهرات لم تشهدها منذ عام 67 وذلك بسبب مقتل فدائيي الجهاد الإسلامي".
ولم تكتفي الجهاد بهذا فهي تشعل النيران وتستمر فكانت أول من دعا الجماهير للإضراب والخروج في مظاهرات لمواجهة الاحتلال مع بداية الانتفاضة، فكانت الجماهير الغفيرة في كل المدن الفلسطينية بحجارتها وبصدورها العارية تستجيب لنداء الجهاد في مواجهة الجلاد، واستمر الجهاد الاسلامي بكل قوة محاولاً تنفيذ أول عملية استشهادية على يد المجاهدة عطاف عليان عام 1987، وبعدها كان النجاح لتكون نار الدم على يد الاستشهادي أنور عزيز عام 1993 في أول عملية استشهادية في فلسطين.
وبعدها كانت اتفاقية أوسلو وخبوا نار الانتفاضة، وما تبعها من اعتقالات للمجاهدين ومحاولة سحب سلاح المقاومة من قبل السلطة، فكان موقف الجهاد الخالد والمتميز الذي كان على لسان أمينها العام فتحي الشقاقي: "أننا نرفض رفضاً قاطعاً تسليم أي قطعة من سلاحنا الذي سيبقى مرفوعاً في وجه الاحتلال ولا أحد غير الاحتلال"، في إشارة واضحة أن نار الجهاد ستستمر ولن يرفع سلاحها في وجه السلطة، وهذا ما كان عندما نفذت أول عملية استشهادية في عهد السلطة عملية معبر إيرز 1994، لتبدأ بعدها سلسلة عمليات وصولاً لعملية بيت ليد الاستشهادية المزدوجة 1995 وليس انتهاءً بعمليات الانتقام لاغتيال الشهيد المؤسس فتحي الشقاقي، وطول هذه الفترة بقيت نار الجهاد الاسلامي مشتعلة في قلب بني صهيون ولم تنحرف بوصلة سلاحها إلى السلطة على الرغم من الاعتقالات والتعذيب ومحاولات سحب سلاحها.
ومع دخول شارون القدس كانت شعلة الجهاد الكبرى فكانت سرايا القدس في كل مكان تضرب العدو في غزة وفي الضفة وفي القدس وفي الداخل، فكانت أول عملية استشهادية في انتفاضة الاقصى عملية الاستشهادي نبيل العرعير 2000، وبعدها توالت العمليات حتى كانت هزيمة العدو في غزة فخرج مدموماً مدحوراً يجر أذيال الخيبة 2005، وكانت معركة جنين حيث مُرغ أنف الجيش الذي لا يقهر على يد قلة مؤمنة يتزعمها القائد من سرايا القدس محمود طوالبة 2002م، وبقيت نار الجهاد تحرق بني صهيون في القدس والداخل ولم تتوقف حتى كانت المؤامرة فتراجعت مع الانقسام الفلسطيني.
وبقيت في غزة بركان ثائر يثور كل حين، فكانت راجمات موت لبني صهيون، فلم تخبوا مدافعها ولم تمت عزائم رجالها، فكان جيشاً مقداماً يخوض المعارك منفرداً ولم يثنه خدلان الآخرين.
وفي ضفة العزة لم يمت جهاد المجاهدين فمن حين لحين ينقشع الرماد وتشتعل شعلة من جهاد، فكان ضياء التلاحمة ومهند الحلبي في خلية جهادية مسلحة تفجر وتطعن وتقتل 2015.
واستمر الأمين أبو طارق في تسليح الضفة واستنهاض الهمم وتعبئة الأجواء وشحنها، فصنع مناخاً جهادياً قابل للاشتعال، ويحتاج فقط لعود الثقاب، فكانت عملية انتزاع الحرية من سجن جلبوع لتكون عود الثقاب، لتنطلق بعدها كتيبة جنين على يد مجدد اشتباكها الشهيد جميل العموري، لتكون بداية مشوار للضفة، فكان لكل مدينة كتيبتها، فأشعلت النار من جديد، لتعيد الروح والمعنى لمقولة الشهيد فتحي الشقاقي: "إذا كنا لا نستطيع اليوم أن نهدم هذا البيت (دولة اليهود) فنحن نستطيع أن نشعل النار في أرجائه، وإذا أشعلناها في كل مكان فلن يتمكن أحد من إطفائها".
فالنار التي أشعلت في الشجاعية قبل 36 عاماً ما زالت مشتعلة في جنين، وما زالت مشتعلة في كل مكان لأكل قلوب اليهود في كل لحظة، فهي نار واحدة مستعرة وهي نار الجهاد المقدس.
