وسط ألسنة النيران المشتعلة، ودخان ورائحة الجثث المتفحمة، ارتفع صوت طفلة بالكاد يُسمع: "ماما ماما الحقيني، النار وصلت رجليا"، إنه صوت الطفلة ماريا، وهي تستلقي على الأرض بينما تخفت أنفاسها تدريجيًا، وعلى مقربة منها، وقفت شقيقتها الصغرى حنين الوادية (5 أعوام) مذهولة أمام المشهد، لتصبح لاحقًا الشاهدة الوحيدة على مجزرة إسرائيلية محت أفراد أسرتها بالكامل.
تقدمت حنين بخطوات صغيرة محاولة الفرار من ألسنة النيران، وفي تلك اللحظة خرجت بين الحطام المشتعل، ورغم خطورة المشهد الذي بدا معه أن نجاتها شبه مستحيلة، خرجت حنين حية، مصابة بحروق متوسطة في وجهها وذراعها وقدمها؛ لتصبح لاحقاً شاهدة على أفظع جريمة في قطاع غزة.
بداية المأساة
بدأت قصة حنين في 26 مايو/أيار 2025، عندما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي مدرسة الجرجاوي في حي الدرج شرق مدينة غزة بأربعة صواريخ، ما أسفر عن استشهاد نحو 30 شخصًا وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة، بحسب ما أفاد به الدفاع المدني في حينه.
كانت أسرة حنين قد لجأت إلى مدرسة الجرجاوي بعد تحذيرات أطلقها جيش الاحتلال بشأن عملية عسكرية وشيكة في حي الشجاعية، ولم يجد والدها حسن مكانًا لإيواء أسرته سوى المدرسة، معتقدًا - وفق ما يروي شقيقه أحمد - أنها مكان آمن ومعروف للجميع ولن تكون هدفًا.
يقول أحمد الوادية، عم الطفلة: "انتقل شقيقي حسن للمدرسة قبل خمسة أيام فقط من الاستهداف، بسبب عدم توفر أماكن إيواء أخرى في قطاع غزة نتيجة موجات النزوح المستمرة من المناطق الشرقية والشمالية". استقر حسن وأسرته داخل المدرسة، بينما انتقل أحمد وأسرته إلى مكان آخر غرب مدينة غزة.
ليلة الاستهداف
كانت الليلة هادئة، ودفعت نسائم الهواء البارد الجميع للنوم مبكرًا، ومع الساعة الثانية فجر السادس والعشرين من يونيو 2025، انقلبت الحياة رأسًا على عقب: أربعة صواريخ إسرائيلية دمرت الفصول الدراسية الخمسة في الطابق الأرضي، وثلاثة فصول في الطابق الثاني، وارتقى نحو 30 شخصًا وأصيب عشرات آخرون، وفقاً لما قاله الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل لمراسلنا.
في الخامسة صباحًا، حاول أحمد الاطمئنان على أسرة شقيقه، لكنه فوجئ برسالة آلية: "لا يمكن الوصول للرقم المطلوب حاليًا"، كرر المحاولة دون جدوى، حتى وصله اتصال يخبره أن الصف الذي كانت تقطن فيه أسرة حسن قد استُهدف.
هرع أحمد إلى مستشفى المعمداني، حيث وجد ابنة شقيقه حنين بوجه محترق وجسد ملفوف بالشاش الأبيض، يقول: "أمضيت أكثر من ساعتين في محاولة التعرف على جثامين الشهداء، لأن النيران أتت على ملامح الأجساد بالكامل".
شهادة الطفلة
بصوت مخنوق، روت حنين لعمها ما شهدته: "كنت خايفة كتير، النار عالية والمكان مظلم.. مشيت شوي فوق جثث أبي وأمي وأختي ماريا اللي كانت تصرخ وتقول ماما ماما النار وصلت رجليا".
الحالة الصحية والنداء الإنساني
وفقًا للحكيم أحمد الوادية، تتجاوز نسبة الحروق التي أصيبت بها حنين 20% من مساحة جسدها، موزعة على وجهها وذراعها وقدميها، وهي بحاجة ماسة لعلاج متخصص خارج قطاع غزة.
ويشير الوادية إلى أن مستشفيات القطاع تعاني نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الطبية، داعيًا الجهات المعنية للعمل على تسهيل خروج حنين لتلقي العلاج اللازم، باعتبارها الناجية الوحيدة من المجزرة التي طالت أسرتها.
أطفال غزة تحت النار
في السياق، أشار المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إدوارد بيغبيدر، في بيان صادر بتاريخ 27 مايو 2025، إلى طفلة صغيرة محاصرة داخل مدرسة تحترق في مدينة غزة - وهي واقعة حنين نفسها - في هجوم ليلي أدى، بحسب البيان، إلى مقتل 31 شخصًا على الأقل، بينهم 18 طفلاً، ولم يذكر البيان اسم حنين تحديدًا، إذ اكتفى بوصف المشهد العام، غير أن التفاصيل الزمنية والمكانية تطابق تمامًا الحادثة التي نجت منها.
ووصف بيغبيدر ما شهدته غزة خلال 72 ساعة فقط بأنه "أهوال لا يمكن تصورها"، مستعرضًا إلى جانب واقعة المدرسة حادثة أخرى وقعت في اليوم نفسه تقريبًا: مقتل عشرة من أشقاء عائلة النجار في خان يونس، ولم ينجُ منهم سوى طفل واحد بإصابات حرجة. الواقعتان معًا - بحسب اليونيسف - جزء من نمط متصاعد من العنف طال الأطفال في القطاع خلال تلك الفترة.
وبحسب اليونيسف، ومنذ انتهاء الهدنة في 18 مارس 2025 وحتى نهاية مايو من العام نفسه، سُجّل مقتل 1309 أطفال وإصابة 3738 آخرين في قطاع غزة، ليصل إجمالي من قُتلوا أو أصيبوا من الأطفال منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 50 ألف طفل.
أما المدارس، التي كان من المفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للنازحين مثل عائلة حنين، فقد تحولت هي الأخرى إلى ساحة استهداف متكررة، إذ تشير تقارير أممية صادرة في صيف 2025 إلى أن أكثر من 95% من المباني المدرسية في قطاع غزة أصيبت بأضرار، وأن ما يقارب 89% منها بحاجة إلى إعادة بناء كاملة أو تأهيل كبير لتصبح صالحة للاستخدام مجددًا، ما ترك مئات آلاف الأطفال في سن الدراسة دون أي فرصة حقيقية للتعليم.
.
