غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

غزة الجائعة.. شهادات من معركة البقاء تحت الحصار

هيئة الأمن الغذائي الدولية (IPC) المدعومة من الأمم المتحدة تصف ما يجري بغزة بالمجاعة القاتلة
شمس نيوز - عبدالرؤوف زقوت

يحمل يوسف وعاءً صغيرًا في كلتا يديه، ويقف حافي القدمين أمام قاطع حديدي تحت شمس حارقة، جسده مغطى بالعرق، يصرخ وسط صرخات الجوعى: "أمانة دوري عبي الوعاء، بدي أطعمي أخوتي".

هذا المشهد ليس مقتبسًا من عمل درامي، بل واقع تكرر لأيام طويلة في قطاع غزة، حيث اصطف عشرات الجوعى حول "تكية" خيرية أملًا في سد جوعهم وجوع أطفالهم، في ظل أزمة تفاقمت منذ 3 مارس 2025 بعد فرض حصار مشدد تسبب – بحسب التوثيق الأصلي للتقرير – بوفاة 166 شخصًا جوعًا، بينهم 112 طفلًا، ما دفع هيئة الأمن الغذائي الدولية (IPC) المدعومة من الأمم المتحدة إلى الإعلان رسميًا أن غزة تواجه "مجاعة قاتلة من صنع الإنسان بالكامل".

يوسف حمدان: طفل يتقاسم الجوع مع إخوته

يقول الطفل يوسف حمدان، النازح من بيت حانون: "نزحت وعائلتي تحت القصف ولم نأخذ ملابس أو أموالًا لنشتري ما يسد جوعنا أو يستر عوراتنا". ويروي كيف يلهث من كثرة الصراخ على القائمين على التوزيع: "اخوتي جاعوا بدهم ياكلوا، أمانة صب كمان عبي كل الوعاء" – قبل أن يرتجف من ثقل الوعاء الممتلئ بشوربة العدس الساخنة، فتنسكب فوق المتصارعين حوله.

يستعيد يوسف أيضًا حادثة أليمة تعرض لها شقيقه، الذي أُصيب بحروق من الدرجة الثالثة بعدما سقط عليه وعاء ساخن أثناء الازدحام على طابور التوزيع، ونُقل على إثرها إلى المستشفى بشكل عاجل.

خالد شعبان: المعاق الجائع

من جباليا، يروي خالد شعبان، الذي يعيل عشرة أفراد بينهم أحفاده الأيتام، كيف نجح – بعد صراع طويل – في الحصول على تكية العدس وسط تجمع مئات الجوعى. ويختلف شعبان عن غيره بكونه مبتور القدم، إذ يقطع نحو كيلومترين من خيمته وصولًا إلى التكية: "أشعر بالألم والمعاناة الشديدتين، الطريق طويلة ووعرة، لكن كل ذلك يهون ما دام هناك أمل للحصول على تكية العدس أو الأرز لأسد جوع الأحفاد والأطفال".

أم سمير: عبء إعالة عشرين فردًا

تبلغ أم سمير من العمر 60 عامًا، وتعاني من ألم في قدميها، لكنها تخرج كل يوم عند السابعة صباحًا من خيمتها نحو التكية: "كل يوم أستيقظ مبكرًا؛ لأتمكن من الاصطفاف على طابور التكية أملًا في الحصول على وجبة لسد جوع أطفالنا، فأنا أعيل 20 فردًا من العائلة وما أحصل عليه لا يكفي مطلقًا".

تصف أم سمير حالتها بألم: "أنا تعبانة من الجوع، مش قادرة أقف على أقدامي، بالعافية بامشي، احنا جعانين يا عالم"، وتوضح أنها تعيل أبناء وأحفاد أيتام بعد استشهاد اثنين من أبنائها وفقدان الثالث. وحين تصلها أخيرًا حصتها من التكية، ترتسم على شفتيها ابتسامة وهي تسرع العودة إلى خيمتها.

ممدوح دواس: من 96 كيلوغرامًا إلى 60

يقف الشاب ممدوح دواس (38 عامًا) حاملًا وعاءً فارغًا: "الأكل هنا شحيح جدًا لا يكفي لكل الناس، لذلك أصل مبكرًا وأنتظر نحو 3 ساعات تحت الشمس للحصول على وجبة من الشوربة أو الأرز". يشير دواس إلى تعرضه للحروق مرتين أو ثلاث مرات بسبب انسكاب الطعام أثناء الازدحام، وإلى فقدانه أكثر من ثلث وزنه: "كان وزني 96 كيلو، الآن أصبحت 60 كيلو بسبب الجوع وقلة الطعام وعدم توفر الأموال لشراء ما يُعرض في الأسواق بسبب الغلاء المرتفع جدًا".

ويضيف، في إشارة إلى معاناة متكررة في القطاع خلال تلك الفترة بشأن سرقة قوافل المساعدات: "كل ما يدخل للقطاع من مساعدات يتم سرقته وبيعه بأسعار خيالية، نحن نناشد العالم بأن يدخل المساعدات بطريقة إنسانية وتوزيع عادل ليصل إلى الجوعى".

القانون الدولي يحظر تجويع المدنيين

وتندرج وقائع هذا التقرير ضمن إطار قانوني دولي واضح المعالم يحكم قضايا الحصار وتقييد الغذاء في النزاعات المسلحة، فعلى صعيد القانون الدولي الإنساني، تنص المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف صراحة على حظر تجويع المدنيين كأسلوب حربي، وتحظر مهاجمة أو تعطيل المواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين، كالمواد الغذائية ومنشآت مياه الشرب، وباعتبار غزة أرضًا محتلة، تُلزم المادتان 55 و59 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 دولة الاحتلال بتأمين إمدادات الغذاء والدواء للسكان بكل ما تملكه من وسائل، والسماح بعمليات الإغاثة عند عدم كفاية التموين.

ولم يقف الأمر عند حدود المعاهدات التقليدية، إذ أضاف تعديل أُدخل على نظام روما الأساسي عام 2019 تجويع المدنيين عمدًا، عبر حرمانهم من المواد الضرورية لبقائهم، إلى قائمة جرائم الحرب، وهو الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة الجنائية الدولية عندما أصدرت في نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين رفيعين تضمنتا اتهامات باستخدام التجويع سلاحًا في الحرب، إلى جانب مذكرة توقيف بحق قيادي في حركة حماس.

وعلى مستوى الأمم المتحدة، سبق لمجلس الأمن الدولي أن أدان في القرار 2417 الصادر عام 2018 استخدام تجويع المدنيين أسلوبًا للحرب، مطالبًا بالسماح الكامل بمرور المساعدات الإنسانية دون عوائق، ثم جاء القرار 2720 لعام 2023 خصيصًا بشأن غزة، داعيًا إلى تسريع تدفق المساعدات إلى القطاع عبر جميع المسارات البرية والبحرية والجوية.

أما على الصعيد القضائي، فقد أصدرت محكمة العدل الدولية، منذ يناير 2024، سلسلة أوامر بتدابير مؤقتة في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، أبرزها أمر 28 مارس 2024 الذي ألزم إسرائيل باتخاذ تدابير فورية لتأمين المساعدات الإنسانية الأساسية لمواجهة "المجاعة والتجويع"، غير أن القضية لا تزال عالقة في مراحلها الإجرائية؛ فقد قدّمت جنوب أفريقيا مذكرتها الأولى في أكتوبر 2024.

وإلى جانب قانون الحرب، يكرّس قانون حقوق الإنسان الدولي هذا الحق أيضًا؛ فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان يقرّ في مادته 25 بالحق في مستوى معيشي كافٍ يشمل الغذاء، بينما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في مادته 11، صراحة على "الحق الأساسي في التحرر من الجوع".