اتخذت القرار وهي ترتجف، فلم يعد لهذه الأم خيارات كثيرة، وهي ترى طفلها تتدهور حالته يوما بعد يوم، وسط ترقب وخوف من وصول قوات الجيش الإسرائيلي إلى مستشفى الشفاء، بعد أن وصلت الأخبار عن محاصرة الدبابات الإسرائيلية لمستشفى النصر غرب مدينة غزة، على بعد أقل من اثنين كيلومتر من موقعهم.
بعد ساعات من البحث في ظل انهيار المنظومة الصحية وغياب سيارات الإسعاف، اضطرت أم الطفل المصاب عمر اليازحي إلى نقله في شاحنة متوجهة إلى مدينة دير البلح، وسط الطريق الموحش، حاملة بيدها أسطوانة أكسجين بالكاد تكفيه حتى يصل إلى مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة.
"كان يريد جلب الماء"
تستذكر والدة عمر وقد تحولت عيناها إلى موقدٍ جمر وبدأت الدموع بالانهمار، اللحظات الأولى لإصابة طفلها ابن السنوات الأربع، لافتة إلى أنه نزل من المنزل في مدينة غزة متوجها لجلب المياه من مكان قريب، قبل أن تباغته طائرة مسيرة إسرائيلية من نوع "كواد كابتر" بطلقة اخترقت رقبته وفتت جسده.
بعد إصابته مباشرة نُقل "عمر" فاقدا الوعي للعناية المكثفة في مستشفى أصدقاء المريض في مدينة غزة، وكانت رئته اليسرى مغلقة والالتهابات شديدة جدا -بحسب الدته- قبل أن تستقر حالته بعد يومين وينقل إلى مستشفى الشفاء.
معاناة مضاعفة
لم تتوقف معاناة عمر عند حدود الإصابة، فقد بدأ "السائل الدماغي الشوكي" يتسرب من كتفه خلال الأيام الأولى للإصابة، مما اضطر الأطباء لإجراء عملية "رقعة الدم - Blood Patch"، وهو إجراء طبي يُستخدم لإغلاق الثقوب أو التمزقات في الأغشية المحيطة بالحبل الشوكي والدماغ، تروي والدة عمر.
واليوم، وبعد أن نجحت الأم في الوصول بابنها إلى مستشفى شهداء الأقصى بعد رحلة مريرة، يرقد عمر على سريرٍ بارد داخل عناية الأطفال بالمستشفى وسط قطاع غزة، بلا حول ولا قوة، يتشبث بأنفاس متقطعة تصله عبر جهاز التنفس الصناعي.
ورغم أن الأمل بزغ فجأة في الأيام الأولى لوصولهم إلى مستشفى شهداء الأقصى، إذ تمكن عمر من الاستيقاظ والتجاوب قليلا، لكن هذه الفرحة لم تكتمل بعد أن التقط فيروسا من المستشفى انهارت معه كل محاولات التحسن، واضطر الأطباء إلى إعادته لأجهزة التنفس الاصطناعي.
تقول والدته والحسرة تملأ صوتها: "كان عمر يقول لي: ماما أنا صحيت، شوفي ارفعي إيدي، أنا شاطر؟، وكان يأكل الموز، ويحاول يتحرك، لكنه اليوم حالته تتدهور بشكل كبير".
تحويلة طبية وحصار إسرائيلي
ورغم حصوله على تحويلة علاج رسمية في سلوفينيا، إلا أن عائلة الطفل عمر ما زالت تنتظر موافقة الاحتلال الإسرائيلي، وفتح معبر رفح.
وتناشد "اليازجي" المؤسسات الدولية والحقوقية والصحية بالعمل على إخراج ابنها للعلاج خارج قطاع غزة بشكل فوري؛ قبل أن يفقد حياته جراء الإصابة.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد بلغ إجمالي عدد الشهداء في قطاع غزة نحو 73,389 شهيدا، وعدد المصابين نحو 174,266 جريحا، وذلك منذ الحرب الإسرائيلية على القطاع في السابع من أكتوبر 2023.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة التربية والتعليم العالي، فقد قتلت إسرائيل خلال عامين من الحرب على غزة أكثر من 21 ألف طفل، بينهم نحو 19 ألفا من طلبة المدارس، في حين أصيب أكثر من 44 ألفا وشُرد مئات الآلاف من الأطفال.
ووفق المعطيات، فقد استشهد 450 رضيعا، و1029 طفلا لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5031 طفلا دون سن الخامسة، مما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد.
وأوضح الجهاز المركزي للإحصاء أن أساليب القتل لم تقتصر على الصواريخ فحسب، بل جاء تحالف الحصار والجوع والبرد ليخطف أرواح الأطفال، إذ توفي 157 طفلا بسبب الجوع، في حين قضى 25 آخرون نتيجة الصقيع في خيام النازحين.
وبشأن آثار الحرب الجسدية المدمرة، أوضحت المعطيات أن 10 آلاف و500 طفل يعانون إصابات غيرت مجرى حياتهم، وأكثر من 1000 حالة بتر للأطراف، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد للأجهزة المساعدة، في حين يواجه نحو 4 آلاف طفل خطر الموت ما لم يتم تأمين إجلاء طبي عاجل لهم.
