غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"كبروا قبل أوانهم" أطفال غزة بين الركام ومسؤوليات الكبار

أطفال غزة .. نزوح تعبئة المياه
شمس نيوز - نضال أبو شربي

كان أطفال غزة قبل الحرب مجرد صغار لا يدركون الكثير عن تعقيدات الحياة، يعيشون طفولتهم ببساطتها وبراءتها، يكتشفون الحياة بخطوات مترددة، لا يعرفون من الدنيا إلا اللعب والبدايات الأولى للأحلام.

لكن حرب الإبادة غيّرت ملامح الطفولة، فاختصرت السنوات، ودفعتهم قسرًا إلى أدوار لم يولدوا لها بعد، في مشاهد لا تشبه الطفولة في شيء، تحوّل كثير منهم إلى "أعمدة بيوت"؛ يحملون الماء والطعام، ويبحثون عن الدواء، يحمون إخوتهم، ويواسون أمهاتهم، كأن الحرب سلبت منهم طفولتهم ومنحتهم بدلًا منها حملاً ثقيلًا فوق أكتافٍ صغيرة.

وهنا عند زاوية ساحة الجندي المجهول يقف الطفل أحمد 11 عاما أمام بسطته التي تحتوى على بعض من الحلوى والبسكويت حيث قال: ""قبل كنت بدرس وبطلع العب والآن بصحي بدري عشان أجيب ميّ وخبز، بابا مش موجود، وإخوتي صغار، ماما بتقولي أنا رجل البيت، مش عارف إذا أنا رجل بس أحاول".

ويضيف الطفل أحمد: "أشعر بالخوف من هذه المسؤوليات، ما زلت صغيرًا واحتياجات اخواتي كبيرة، وبخبي الخوف جواي عشان ما ينهار حد من إخوتي".

أما الطفلة سارة (10 أعوام) وهي طفلة تبيع منديل قرب توزيع المساعدات المتواجدة بمدينة غزة، تقول: " كنت بدي أصير ممرضة وحاليا ابيع مناديل عشان نشتري غاز للطبخ، أخوي صغير بعيط من الجوع، وماما مريضة".

وتضيف بألم وحسرة آه نفسي أرجع على المدرسة وعلى فصلي الذي كنت ادرس به ونفسي أدرس، وأرجع أكون طفلة.

قبل الحرب، كان يمكن رؤية أطفال غزة ينتشرون في شوارع الأحياء بحقيبة مدرسة صغيرة وكرة بين الأقدام، أو بطاقة مدرسية معلقة حول أعناقهم، كانوا يهرولون نحو الحياة ببراءة، وكأن الزمن لا يعرف سوى الخطوات الصغيرة التي تتعلم المشي ببطء، ولكن بعد الحرب تبدّل المشهد؛ فالأطفال الذين ولدوا ليكونوا تلاميذ تحولوا اليوم إلى معيلين، يقفون في طوابير المساعدات، يبحثون عن الماء، ويجرّون عربات الخشب بدل دفاتر الرياضيات.

في أحد الأزقة المدمرة شمال القطاع، يقف طفل في الحادية عشرة من عمره يحمل جالون مياه أثقل من جسده، يلتفت حوله بحذر، كأنه يتفقد بيتًا هو المسؤول عنه "ماما قالت البيت إليّ"، يقول وهو يبتسم بتعب، لم يعد للطفولة مكان هنا؛ أصبح البيت مدرسة جديدة، ومسؤوليات يومية دون عطلة.

لم يعد الطفل يسأل عن موعد الحصة الأولى، بل عن موعد دخول شاحنة الدقيق أو وصول المياه، هكذا تغيّر القاموس اليومي؛ "دفتر" صار يعني دفتر ديون، و"درس" صار درس نجاة.

لم تعد ألعاب الأطفال متناثرة في الساحات كما كانت، بل حلّت محلها صفوف من قناني المياه، حطب للطهي، وبقايا أثاث متهالك يُجرّ بجهد طفولي واضح. في كل زاوية من غزة مشهد يشبه الآخر

طفل يقف كأنه يحرس بيتًا لم يبق منه إلا الجدار، أو يسند كتفه على عربة صغيرة تصير أثقل كلما تقدّم النهار. هكذا أصبحت الطفولة معلقة؛ لا هي قادرة على العودة، ولا الحرب سمحت لها أن تكتمل.

وفي ذات السياق وجدت يامن 13 عامًا يعمل في ورشة نجارة مؤقتة على ركام منزل مهدّم. كنت قبل الحرب مدلل وكل شيء يصل الى عندي ولكن بعد الحرب أصبحت انا من يعيل اهلي والبي احتياجاتهم، وما ضل بيت. أنا وأمي وإخوتي بنمشي من مكان لمكان. لقيت الورشة مهدومة، بس لقيت صاحبها بده مساعدة. صار يعطيني شوية شغل، وبنظرة حارقة ودمعة عيونه حرقت قلبي بقوله انا ما بخاف من التعب بخاف من بكرا.

ورغم كل ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات لا تُرى إلا عن قرب، طفل يساعد جاره في حمل الخبز، طفلة توزع قطع حلوى متبقية من عيد قديم، صبي يربط خيمة لعائلة لا يعرفها.

أصوات صغيرة تشق الصمت، وكأنها تقول للعالم إن الحرب لا تنتصر بالكامل، وإن الأنقاض ليست نهاية القصة بل بدايتها الجديدة هناك جيل يتشكل جيل لم يختر أن يكون قويًا، بل اضطر أن يكون كذلك.