غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

في غزة: المستشفيات بلا دواء.. المرضى يُتركون لمواجهة الموت

مستشفيات قطاع غزة
شمس نيوز: نضال أبو شربي

حين دخلتُ غرفة الطوارئ في أحد مستشفيات مدينة غزة، لم يكن الصراخ أول ما لفت انتباهي، بل ذلك الصمت الثقيل الذي يسبق الانهيار؛ صمت المرضى الذين استُهلكت دموعهم، وصمت الأطباء الذين يعرفون أن ما في أيديهم أقل بكثير مما يحتاجه الجرح المفتوح أمامهم. هنا لا تبدأ القصة عند الإصابة، بل عند غياب الدواء، حيث يتحوّل الانتظار إلى ألم، والعلاج إلى أمنية.

في ممرٍ ضيّق تفوح منه رائحة المعقمات المفقودة أكثر مما تفوح رائحة الأمل، يتمدد جريح على سريرٍ معدني بارد، ينظر إلى السقف المتشقق بعيونٍ مثقلة بالألم، لا مسكن يخفف وجعه، ولا دواء يوقف نزيفه، فقط طبيب يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه بيدين شبه فارغتين، هنا، في مستشفيات غزة، لم تعد الصحة حقًا بديهيًا، بل معركة يومية من أجل النجاة.

على سرير حديدي مهترئ، يرقد محمود، شاب في العشرينات من عمره، أصيب بشظية في قدمه خلال القصف، مرّ أكثر من عشرة أيام، وما زال الجرح مفتوحًا، لا مضادًا حيويًا، ولا مسكنًا يخفف الألم، يلف قدمه بقطعة قماش نظيفة قدر الإمكان، وينتظر.

يقول محمود بصوت متعب "الألم مش بس بالجرح الألم الحقيقي لما تحس إنك منسي، وإن وجعك ما إله علاج".

حاول محمود، تتكرر الحكايات بأشكال مختلفة، طفل يبكي من الحروق، امرأة مسنّة تشكو من آلام مزمنة بلا دواء، وأم تحاول تهدئة صغيرها الذي يعاني من الإسهال الحاد بسبب تلوث المياه.

لم يعد القطاع الصحي في غزة يعمل وفق معايير الطب المعروفة، بل وفق "طب الضرورة القصوى"، أطباء وممرضون يؤدون واجبهم في أدنى حدوده، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، وانقطاع متكرر للكهرباء، وتكدس غير مسبوق للجرحى والمصابين.

وأشار أحد الأطباء وهو طبيب جراحة عامة، نضطر أحيانًا لإجراء عمليات جراحية دون توفر التخدير الكافي، نختار من نعالجه أولًا ومن نؤجل علاجه هذا قرار قاسٍ لا يُدرّس في كليات الطب

آلاف الجرحى يعيشون بآلام مفتوحة، بعضهم فقد أطرافه، وآخرون ينتظرون دورهم في العلاج الذي قد لا يأتي. نقص المسكنات حوّل الألم إلى رفيق دائم، فيما أصبحت العدوى خطرًا يوميًا يهدد حياة المصابين.

وهنا أم خليل، والدة شاب مصاب بطلق ناري في بطنه، تقول بصوتٍ متهدج: ابني يتلوّى من الوجع، يصرخ ليلًا ونهارًا، يقول لي يمّا بدّي مسكن وأنا ما بقدر أعمل أي شيء

في الزاوية المقابلة، يقف طبيب الطوارئ، عيناه حمراوان من السهر. لم يغادر المستشفى منذ أيام. يهمس وكأنه يعتذر: "نشتغل بأدنى الإمكانيات نضمد الجرح ونخاف يتلوث، نُسكن الألم بالكلام أحيانًا، لأن الدواء غير موجود.

العمل الطبي هنا لم يعد علاجًا كاملًا، بل محاولة لتأجيل الموت. قرارات صعبة تُتخذ كل ساعة: من يُعالج أولًا؟ ومن ينتظر؟ ليس بناءً على شدة الإصابة فقط، بل على توفر أبسط المستلزمات.

بعيدًا عن أصوات القصف وغرف الطوارئ، تنتشر أمراض صامتة لا تقل خطرًا. تلوث المياه نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي، وتراكم مخلفات الاحتلال، وغياب البنية التحتية، كلها عوامل أدت إلى تفشي أمراض جلدية ومعوية، خاصة بين الأطفال وكبار السن.

في قسم الأطفال، الألم أعلى صوتًا. لا مسكنات كافية، ولا مراهم للحروق. ممرضة شابة تحمل طفلًا يبكي بلا توقف، وتقول: أصعب لحظة لما يطلبوا منك تسكّني وجعه، وانتِ عارفة إنه ما في شيء تعطيه والألم هنا لا يُقاس بالدقائق، بل بالأيام وجع متواصل، ينام معه المرضى ويصحو عليهم.

وهنا توضح احدى الممرضات نشهد حالات إسهال حاد، التهابات جلدية، وأمراض لم نكن نراها بهذا الانتشار قبل الحرب المياه غير صالحة للشرب، والناس مضطرة لاستخدامها.

إلى جانب المرض، يواجه سكان غزة سوء تغذية حادًا، خاصة الأطفال والحوامل. نقص الغذاء والمكملات الغذائية انعكس مباشرة على مناعة الأجسام، ما جعل التعافي من أبسط الأمراض رحلة طويلة ومؤلمة.

أبو يزن، نازح وأب لخمسة أطفال، يقول أطفالي يمرضون بسرعة، ما في أكل صحي، ولا حليب، ولا فيتامينات حتى العلاج غير موجود”.

بعيدًا عن الجرح الظاهر والامراض الصامتة، هناك جروح أخرى لا تُرى تلوث المياه ومخلفات الحرب أدت إلى انتشار أمراض معوية وجلدية. سوء التغذية أنهك الأجساد، خاصة أجساد الأطفال.

يموت الأطفال من الجوع والمرض

في غزة، المستشفى لم يعد مكانًا للشفاء، بل مساحة للصمود، الطواقم الطبية لا تطلب المعجزات، بل الحد الأدنى من الحق في العلاج. والمرضى لا يطلبون أكثر من دواء يخفف الألم، أو فرصة حقيقية للنجاة.

حين غادرتُ المستشفى، كان محمد ما يزال على سريره، يحدق في سقف الغرفة. جرحه مفتوح، لكن قلبه أكثر إنهاكًا. في غزة، لا تنتهي القصة بخروج المصاب من غرفة الطوارئ، بل تبدأ هناك. قصة إنسان يقاوم الألم بلا دواء، ويؤمن أن النجاة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.

في غزة، لم تعد المستشفيات ملاذًا آمنًا كما ينبغي، بل خطوط دفاع أخيرة في معركة غير متكافئة. الصحة هنا تُقاس بقدرة الناس على الصمود، والنجاة ليست شفاءً كاملًا، بل تأجيلًا للألم. وبين جرحٍ مفتوح ودواء مفقود، يبقى السؤال معلّقًا: إلى متى سيظل إنقاذ الأرواح مرهونًا بالحد الأدنى من الإمكانيات؟

إنها صرخة إنسانية من قلب مستشفى بلا دواء… ومن شعب لا يزال يتمسك بالحياة رغم كل شيء.