يُمسك محمود بكلتا يديه غربال -مُنخل- مليئ بالرمال، وبسرعة يخض الغربال يمنة ويسرة لإزالة الشوائب، يكرر محمود المشهد منذ أكثر من 100 يوم دون كلل أو ملل، محاولا البحث على رفات زوجته وأطفاله الستة -بينهم جنين- تحت رمال منزله المدمر.
يرتبط الغربال في الفكر العربي وخاصة الفلسطيني بصناعة طعام المفتول حيث تستخدمه السيدات لإزالة الشوائب من الطحين قبل طبخه، إلا أن حرب الابادة وتداعياتها الكارثية غيرت المفاهيم وقلبت الموازين، فبدلا من استخدامه في الطعام لجأ اليه الشاب محمود حماد للبحث عما تبقى من عظام أسرته المتناثرة هنا وهناك.
مراسل "شمس نيوز" التقى بالشاب حماد في الثلاثينيات من العمر، للكشف عن تفاصيل مروعة للمجزرة الإسرائيلية بحق عائلته والتي راح ضحيتها نحو 14 شخصا غالبيتهم من الأطفال والنساء، ويوضح الأسباب الرئيسية التي دفعته لاستخدام الغربال، كأداة مساعدة في عملية البحث.
كومة من الركام
يعيش حماد في حي الصبرة جنوب غرب مدينة غزة بمنزل مكون من 5 طبقات، كان البيت مليئً بالحياة والضحكات؛ لكن بعد مرور نحو شهرين على بداية الابادة تحول المكان إلى كومة من الركام، دفن تحته رفات وأشلاء عائلته.
فرغم الأحزمة النارية التي تسببت بمسح عائلات كاملة من السجل المدني شمال ووسط وجنوب القطاع، قررت عائلة حماد البقاء داخل المنزل مهما كانت النتائج، وعدم الالتفات لأوامر جيش الاحتلال بالنزوح جنوب وادي غزة تحت تهديد النار.
لحظة وقوع الفاجعة
تدور عقارب الساعة إلى العاشرة مساء السادس من ديسمبر 2023 حينها كان محمود جالسًا في البيت مع جميع أفراد أسرته، وقبل لحظات من الفاجعة، قرار المغادرة، إذ فاجأته زوجته بالقول: "أبو إسماعيل أشعر أن الشهادة اقتربت، ربما يأتينا الصاروخ من هذه الزاوية أو غيرها، ربما تحتضن الجنين وربما تنتشل أشلائنا".
توقف محمود برهة من الوقت مستعيدً شريط ذاكرته وبدأ يردد كلام زوجته قبل أيام من الحادثة "يا رب يجي صاروخ واتفتفت أشلاء"، رفع محمود بأنامله طاقيته ومسح جبينه الممتلئ بالرمال قائلًا: "الحمد لله ربنا حقق أمنيتها ونالت الشهادة".
عاد محمود لسرد تفاصيل الفاجع، فما أن أدار قدميه صوب باب الخروج، ألقى نظرة مليئة بالشوق والحنين كأنها نظرة الوداع، وقال: "استودعكم الله، سنلتقي باذا الله".
في هذا الوقت من كل يوم يتردد محمود لبيت شقيقه الملاصق لبيته، ليستمع وأصدقائه لآخر التطورات الميدانية والسياسية عبر شاشات التلفاز والراديو.
دقائق معدودة فقط حتى أضاءت الدنيا بنيران الصواريخ، وبات محمود غير قادر على الحركة لسقوط الركام عليه، يقول: "سمعت صوت صاروخ نازل بسرعة، بعدها انهارت عليَّ الجدران وتطايرت البنايات من حولي".
رؤية في المنام
رغم القصف والدمار الهائل لم يفقد محمود وعيه، وبدأ يصرخ على زوجته وأطفاله، فلم يسمع سوى صدى صوته وصوت الجيران الذين هرعوا لانقاذ الجرحى، ونقل الشهداء.
توجه محمود والمصابين لعيادات قريبة من منزله ولم يتوجه لمستشفى الشفاء، مشيرا إلى أن قوات الاحتلال كانت قد حاصرت مستشفى الشفاء الطبي ومنعت الدخول والخروج منه، وكانت تقتل كل من يقترب من المكان".
أعاد محمود شريط ذاكرته قبل وقوع المجزرة بأيام قليلة، ليلفت الانتباه إلى رؤية حدثت له بعد صلاة الفجر حينها كانت زوجته عند بيت أهلها شمال القطاع، يقول: "رأيت زوجتي في المنام تقول لي يا رب اتقطع في بيتي شقف"، وبعد ساعات قليلة فقط كانت أم إسماعيل تطرق الباب، "عودتها كانت بُشرى أنها شهيدة".
400 طن من الركام
يقول محمود وهو ينظر إلى حفرة عميقة مكان منزله المدمر: "كنت مصاب بنحو 20 كسر في أنحاء متفرقة من جسدي، وفي شهر نوفمبر 2024 بدأت استعيد عافيتي وتوجهت لمنزلي فوجدته عبارة عن كومة من الركام".
"الأمر صعب جدا، نحو 400 طن من الركام فوق رفات زوجتي وأطفالي، لكن كنت مُصرَّا لاكرام أحبابي، فبدأت بأدوات بدائية -الكريك، الطورية، شاكوش ثقيل- فوجدت قدم شقيقي"، يروي محمود الحكاية وهو يشير باصبعه على ساحة المنزل.
أزال محمود الركام الثقيل بعيدا عن منزله، وعبء الحجارة في أكياس فارغة ووضعها على حدود منزله، يلفت إلى أنه تمكن من انتشال شقيقه وزوجته وطفليه؛ لكنه توقف بعد اشتداد الحرب.
رفات الجنين
مرت الأيام ثقيلة على محمود، وما أن دخل شهر نوفمبر 2025 حتى عاد ليكمل عمليات البحث عن الرفات، قائلا: "عثرت على ما تبقى من أطفال شقيقي، ودفنتهم جميعا في مقبرة، وعدت للبحث عن زوجتي واطفالي الستة".
بعزيمة وثبات يكمل محمود الحكاية: "قبل الحادث بدقائق تركت زوجتي وهي حامل في الشهر التاسع في هذا المكان، وعندما بحثت هنا، عثرت على رفاتها ورفات الجنين".
الصعوبة التي واجهها محمود أنه كلما تعمق أكثر في الحفر باحثا عن رفات أطفاله وجد بعض الجدران وقد حرقت بالكامل يقول: "علامات الحرق في الجدران تدل على احتراق أطفالي وعدم العثور على رفاتهم مطلقا، لذلك اتجهت على غرفة الضيافة باحثا عن زوجتي الحامل وجنينها".
عثرت على أجزاء من رفات زوجتي وجنينها، وكلما عثر محمود على الرفات توجه بها إلى الأطباء، قائلا: "كنت أتعرف على رفات أبنائي من العمر النسبي للرفات بعد استشارة الأطباء".
ولفت إلى أنه عثر على عظمة الجنين من الكتف الأيسر والأيمن، وبعد عرضها على الأطباء تأكد محمود أنها تعود للجنين.
10 الاف جثة تحت الركام!
مضى نحو 100 يوم على عملية البحث التي بدأها محمود بأدوات بدائية وبجهد شخصي ذاتي، يقول والألم يعتصر قلبه: "تمكنت من انتشال زوجتي وأطفالي واخي وزوجته واطفاله وأكرمت دفنهم في مقبرة واحدة، لكن من يستطيع انتشال نحو 10 ألاف جثمان تحت الركام".
وبصوت قوي يهز المكان: "هذا العالم ظالم يكيل بمكيالين، فمن أجل رفات جنود الاحتلال القتلة المجرمين، أدخل آليات ومعدات ثقيلة؛ لكن من ينظر لرفات جثث الألاف تحت الركام، القوي هو من يفرض قراره في غزة".
أسباب استخدام الغربال -المنخل-
وعن السبب الذي دفعه لاستخدام الغربال في البحث عن الرفات، أوضح حماد لمراسلنا، أن حديث زوجته عن أمنيتها بالشهادة وتقطيع جسدها في سبيل الله أحد الأسباب التي دفعته لاستخدام الغربال "كنت أحاول البحث عن أي عظمة لارتاح نفسيا".
يواصل محمود حديثه: "أنا سعيد جدا أن اولادى وزوجتي دفنوا تحت بيتي، كل يوم بعد صلاة الفجر اجلس على هذا الكرسي واتحدث معهم بشكل طبيعي كأنهم أحياء، لأن هذا الأمر يواسيني على ما فجعت به".
وعن السفر لتلقي العلاج اللازم، تساءل محمود "كيف سأسافر وبالي مشغول برفات أبنائي؟، فقررت حينها البحث عن جميع الرفات ومن ثم التفت للسفر لأشعر بالراحة".
وعن سبب آخر لاستخدامه الغربال في عمليات البحث عن الرفات، أشار محمود إلى أن الغربال رسالة للقادة العرب والمسلمين وقادة العالم، "بأن غزة ستقوم بغربلتكم أمام الله وستكشف عورتكم وتفضحكم في الدنيا والأخرة".
