مع اقتراب الهدنة في قطاع غزة من إتمام شهرها الرابع، يتشكّل انطباع خارجي بأن الحرب قد وضعت أوزارها، وأن مظاهر الحياة بدأت تعود تدريجيًا، غير أن الواقع الميداني والإنساني يرسم صورة مغايرة تمامًا؛ فالموت لم يتوقف، بل غيّر أدواته، وانتقل من ضجيج القصف إلى صمتٍ قاتل داخل غرف المرضى.
وفرة استهلاكية… وغياب علاجي
فلا يغرنك أسواق قطاع غزة التي تشهد تدفّقًا ملحوظًا في السلع الغذائية والاستهلاكية، في مشهد يبدو للوهلة الأولى مؤشرًا على تحسّن الأوضاع؛ لكن مصادر طبية وحقوقية تؤكد أن هذه الوفرة لا تعكس استقرارًا حقيقيًا، بل تمثل سياسة ممنهجة تهدف إلى تلميع المشهد الإنساني، مقابل استمرار منع دخول الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية.
وبينما تمتلئ رفوف المتاجر، تعجز المستشفيات عن تلبية أبسط الاحتياجات العلاجية، في تناقض صارخ يصفه أطباء بأنه “خديعة إنسانية” تُسوّق خارجيًا على حساب حياة المرضى.
أرقام رسمية تكشف حجم الكارثة
وفق بيانات وزارة الصحة في غزة، يواجه القطاع أزمة صحية غير مسبوقة، تتجاوز النقص الطبيعي إلى ما تصفه الوزارة بـ”الإفراغ المتعمّد” للمنظومة الطبية.
وتشير الأرقام إلى حرمان أكثر من 22 ألف مريض من السفر لتلقي العلاج خارج القطاع، إلى جانب وجود حوالي 17 الف مريض على قوائم الانتظار دون أفق زمني واضح، كما تشير الأرقام الى ان من بين المرضى حوالي 12.5 مريض سرطان يواجهون خطر الموت المباشر، الى جانب انقطاع الادوية الأساسية عن 350 ألف مريض مزمن.
وتشير التقارير الحكومية والاممية الى ان الفئات شديدة الهشاشة هي الضحية الأبرز، إذ انّ 5,200 طفل بحاجة عاجلة للإجلاء الطبي، بينما اكثر من 47 الف امرأة حامل ومرضع في دائرة الخطر الصحي، كذلك تظهر الأرقام الى ان عجز الادوية المتعلقة بالطوارئ تجاوز اكثر من 40%، إلى جانب فقدان اكثر من 70% من أدوية مرضى الكلى.
وحوَّلت الأرقام المشافي إلى مرافق شبه مشلولة، وأفرغت “الهدنة” من أي مضمون إنساني حقيقي.
البدائل الدوائية… علاج يزيد المعاناة
في ظل نفاد الأدوية الأساسية، يلجأ المرضى إلى بدائل غير مناسبة في كثير من الأحيان.
أم عثمان (53 عامًا)، مريضة ضغط وأزمة صدرية، تروي لـ "شمس نيوز" معاناتها قائلة: نذهب إلى النقاط الطبية فيقولون إن الدواء غير متوفر، أضطر لتناول بديل يسبب لي دوخة واختلالًا في التوازن… نموت على الهدنة.”
شهادة تختصر واقع آلاف المرضى الذين تحوّل العلاج لديهم إلى مصدر خطر إضافي.
“حرب مزدوجة” داخل المستشفيات
مدير عام وزارة الصحة في غزة، الدكتور منير البرش، يصف الوضع بأنه “حرب مزدوجة”، مؤكدًا أن المرضى يواجهون العدوان من جهة، ومنع الدواء من جهة أخرى.
ومن داخل مجمع الشفاء الطبي، يحذّر مديره الدكتور محمد أبو سلمية من أن وفيات يومية تُسجّل بين المرضى، كان يمكن تفاديها لو فُتحت المعابر ودخلت الإمدادات الطبية.
ويضيف أن موجات البرد وانتشار الفيروسات الحادة فاقمت معاناة الأطفال وكبار السن، خصوصًا في مراكز الإيواء والخيام.
موت صامت تحت ستار الهدنة
في غزة، لا يُقاس الواقع الإنساني بازدحام الأسواق، بل بقدرة المستشفيات على إنقاذ الأرواح.
فالهدنة، وفق شهادات طبية، لم توقف الموت، بل جعلته أقل ضجيجًا وأكثر قهرًا؛ موتًا يتخفّى خلف رفوف لامعة، ولا تراه الكاميرات، لكنه يحصد الأرواح كل يوم… بصمت.
