في غزة، لا تحتاج المأساة إلى حرب طويلة، يكفي صاروخ واحد ليقلب حياة أسرة بأكملها رأساً على عقب، فلك ان تتخيل أن صاروخاً أهوجاً مزّق أحلام كابتن رياضي وابنته العدّاءة، وخرّب مستقبلًا كان يُصاغ بين الملاعب والتدريب، كانت الابنة تستعد لسباق جديد، وكان الأب يهيّئ فريقه للحلم القادم، قبل أن يخترق الصاروخ لحظتهما معًا، فيحوّل الأجساد إلى أسرى الكراسي المتحركة، والحياة إلى رهينة للألم والوجع.
هذا ما حدث للكابتن الستيني عماد جمال خيرة وابنته رازن، اللذين عاشا حياتهما بين الملاعب والجري والماراثون، قبل أن تهزهما الحرب بلا رحمة، في ليلة واحدة، أصيب الأب وابنته في الغارة نفسها، وفقد كل منهما جزءًا من جسده، لتتحول حياتهما اليومية إلى معركة للبقاء والحركة.
قبل 4 ديسمبر 2023، كان عماد من سكان حي الدرج، أبًا لثمانية أفراد، تعكس حياته شغفًا بالرياضة منذ الطفولة، إذ كان يمارَس كرة القدم وألعاب القوى، وشارك في البطولات العربية مع نادي التفاح ونادي المجتمع الفلسطيني، ثم أصبح مدرّبًا لألعاب القوى، يعدّ الأشبال والعدّائين نحو مستقبل رياضي أفضل، يقول عماد: “كنت أعيش يومي بين الملاعب، أدرّب الأطفال، أحلم بالبطولات، وكانت الرياضة روحي وحياتي”.
لكن في تلك الليلة، تغيّر كل شيء. لم يكن عماد وابنته مستهدفين، بل كان القصف موجّهًا لجيرانهم. عند الساعة العاشرة والنصف مساءً، انهالت الصواريخ فجأة، واستيقظوا على أصوات الانفجارات، ووجدوا أنفسهم تحت الأنقاض، الشارع تحوّل إلى مشهد كأهوال يوم القيامة: شهداء، دماء، صراخ، وذهول لا يوصف.
نُقل عماد ورازن بالإسعافات إلى مستشفى المعمداني وسط ضغط هائل على المستشفيات. وبعد عدة أيام، أُجريت له عملية بتر القدمين، وخُرج بعدها بعد ربع ساعة فقط من العملية، بينما يحتاج أي مصاب طبيعي أسبوعًا على الأقل للتعافي. يقول عماد: “قبل الإصابة، كنت عمود البيت، أعمل لأجل أولادي، أجلب الماء، أجمع الحطب، أوقد النار للطهي… بعد الإصابة، أصبحت عالة على أسرتي، أنا وابنتي، وفقدت بيتيّ الاثنين اللذين دُمّرا بالكامل”.
أما ابنته رازن، عدّاءة شابة تبلغ من العمر 24 عامًا، فكان الركض جزءًا من حياتها منذ الطفولة، تتدرب مع والدها، وتشارك في السباقات والماراثونات المحلية. تقول: “الرياضة لم تكن هواية، كانت حياتي”.
لكن في ليلة 19 نوفمبر 2023، تغيّر كل شيء، أصيبت ساقها ببتر كامل بعد قصف منزلهم، ونُقلت في ظروف بالغة الخطورة عبر سبع سيارات إسعاف لمسافة 12 كيلومترًا، وسط نقص حاد في الرعاية الطبية، قبل أن تدخل غرفة العمليات وهي فاقدة للوعي تقريبًا.
اليوم، لا تستطيع رازن الحركة بحرية، توقفت عن الدراسة، وتوقفت عن ممارسة الرياضة، لكنها لم تفقد الأمل. تقول: “أصعب شيء فقدته ليس ساقي فقط، بل إحساسي بالاعتماد على نفسي… أحلم أن أعود للوقوف، لأكمل دراستي، وأستعيد الرياضة، وأن أصل للعالمية باسم غزة وكل من يرفض أن تُهزم روحه”.
القصة هنا ليست عن فقدان قدم أو إصابة جسدية، بل عن إرادة لا تُقهر، عن حلم ما زال واقفًا رغم الركام في غزة، لا تُقاس الحرب بعدد الصواريخ أو الشهداء فقط، بل بعدد الأحلام التي تُبتَر مع كل غارة. الأب والابنة أصبحا رمزًا للصمود، رغم أن الطريق قد يُسلب من تحت أقدامهم، لكن إرادتهم وحب الحياة ما زال قائمًا.
اليوم، عماد وابنته رازن بحاجة إلى فرصة للعلاج خارج غزة لتركيب أطراف صناعية، واستعادة القدرة على الحركة، والعودة إلى حياة كريمة، قصتهما تذكير صارخ بأن الحرب لا تقتل الروح، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى من بين الركام.
من الملاعب إلى الركام، من الركض إلى الجلوس، تبقى الرسالة واضحة: الإنسان قادر على النهوض مهما طال السقوط، والحلم يمكن أن يبقى واقفًا رغم كل الخسائر.
