غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

كيف ستؤثر أحداث فنزويلا على منطقتنا؟

سيف الدين موعد

كتب: سيف الدين موعد

كاتب وإعلامي فلسطيني

حين تقع واقعة من طراز اقتياد رأس دولة من عاصمته، لا يعود السؤال كيف حصلت العملية؟ بل ماذا صار ممكنا بعدها؟ لأن ما يختبر هنا ليس دولة بعينها، بل صلاحية مفهوم سيادة الدول نفسه داخل ما يعرف بالنظام الدولي.

إذ لم يعد هذا النظام يرى الحدود السياسية قواعد ملزمة بقدر ما يراها عوائق تقنية ترفع متى غدت كلفة رفعها أدنى من كلفة احترامها.

ما وقع في كاراكاس أكبر من مغامرة استخبارية، إنه لحظة كاشفة للسياسة الأمريكية الجديدة، التي تجيز التعامل مع الدول كفضاء مستباح، وتسوغ الانتقال من مرحلة إدارة النفوذ داخل الدول إلى مرحلة إدارة الدول ذاتها.

فالواقعة ليست حدثا معزولا، بل حلقة في مسار آخذ في التوسع، حيث تتردد لغة الإكراه وتغيير السلوك في المجال اللاتيني من كوبا إلى كولومبيا، ويتصاعد خطاب الاستيلاء على غرينلاند داخل المجال الغربي ذاته، وتدفع إيران إلى موقع تستثمر فيه توترات الداخل لفرض تنازلات قصوى، أو فتح مسارات تقويض أوسع عبر الاستنزاف أو الحرب.

المذهب الأمريكي الجديد وإعادة توزيع مسارح السيطرة

يجب عدم الركون إلى القراءات السطحية التي تميل إلى التعامل مع هذه الأحداث بوصفها نزوات شخصية مرتبطة بطبيعة ساكن البيت الأبيض، فما يجري ينسجم انسجاما دقيقا مع المذهب الأمريكي الجديد، الذي يعيد صياغة الأولويات الأمريكية بلغة مباشرة لا تجامل.

ففي إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي أعلن عنها مؤخرا، شرّعت أمريكا السيطرة على "نصف الكرة الغربي" في استحضار كثيف لمبدأ "مونرو"، الذي يرى أن التهديد لا يأتي فقط من الهجرة والمخدرات، بل من "التمركز البنيوي" لقوى من خارج "الإقليم الغربي".

لكن الإستراتيجية الجديدة لا تحصر هذا المبدأ في حدوده الإقليمية الضيقة، بل تعيد توزيع مسارح الاشتغال الإستراتيجي بوصفها حلقات متصلة في صراع السيطرة العالمي؛ فأوروبا نفسها تعامل بوصفها جبهة منع إعادة تشكل قوة قارية مستقلة، ومنطقة الشرق الأوسط ينظر إليها كعقدة الممرات والطاقة، ومسرح لإعادة هندسة النفوذ والامتثال. بينما تعامل آسيا بوصفها فضاء التنافس على سلاسل الإمداد والموارد والتكنولوجيا.

هذه المسارح تدار بمنطق واحد يقوم على منع التمركز طويل الأمد لأي منافس يحاول تثبيت أصول حيوية أو موطئ قدم يهدد ما تعتبره أمريكا مصالح حيوية، حيث تستعاد هذه العقيدة دون أي تحفظ أو تحرج من إعلان منطقها الاستعماري الذي يحكمها.

الصراع مع الصين وحدود رد القوى الكبرى

ضمن هذا السياق، يقرأ ما حصل في فنزويلا ضمن موقعه الحقيقي داخل صراع أوسع مع الصين، صراع لا يستعجل الحرب العسكرية، لكنه يسعى إلى إنهاء مرحلة كان فيها النفوذ الصيني يدار اقتصاديا ضمن فضاء تتحكم فيه واشنطن سياسيا وأمنيا.

لذلك يتجنب الخطاب أحيانا تسمية الصين صراحة، لكنه يضعها عمليا في صلب مفهوم "المنافس الخارجي" الذي يجب تحييده أو اقتلاعه.

وحين يقارن هذا المنطق بالواقع المادي المتمثل في الاستثمارات الصينية الضخمة في النفط الفنزويلي، والعقود طويلة الأمد، ومسارات الالتفاف على العقوبات، يتضح أن المسألة تتعلق بتنازع سيادي على حق تعريف ما هو مشروع وغير مشروع داخل ما تعتبره الولايات المتحدة مجالها الحيوي.

الهيمنة لا تحتاج جيوشا دائمة، بل قدرة على تحويل القانون إلى استثناء، والسيادة إلى خيار قابل للتعليق متى تعارض مع المصلحة العليا للقوة المسيطرة

غير أن هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن لحظة النظام الدولي الراهنة، إذ لم تعد واشنطن تدير تنافسها مع الصين داخل حدود السوق والتجارة وحدهما، بل داخل حدود منع التحول البنيوي في ميزان القوة العالمي.

نحن أمام انتقال مدروس، من احتواء مرن للصين إلى سياسة تقطع المسارات التي تسمح لها بتثبيت نفوذ طويل الأمد، خصوصا حين يتجاوز هذا النفوذ التجارة إلى الطاقة والمعادن والموانئ وسلاسل الإمداد والتموضع الجغرافي.

ومع هذه النقلة، لم تعد أدوات الضغط التقليدية كافية لإدامة التفوق، فبرز نمط تدخل يعيد تعريف السيادة ذاتها، ويعاملها كمتغير سياسي قابل للتعليق والتفكيك متى تعارض مع المصلحة العليا للقوة الأمريكية المهيمنة، بحيث تتحول هذه السابقة من استثناء إلى قاعدة عمل. من هنا تُقرأ فنزويلا بوصفها نموذجا يمكن تكراره حيث تتوافر الشروط.

في هذا المشهد، لا يصح القفز عن الموقف الصيني؛ لأنه المعيار الأهم في فهم أبعاد ما تختبره واشنطن على مستوى حدود النفوذ. الصين، التي راكمت حضورها في أمريكا اللاتينية عبر الاقتصاد والتمويل والطاقة أكثر مما راكمته عبر القوة الخشنة، تبدو في مثل هذه الواقعة محاصرة بمنطق مزدوج.

فهي لا تريد تحويل الاشتباك إلى مواجهة عسكرية في مجال تعتبره واشنطن حديقتها الخلفية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التساهل مع سابقة تهدد نموذج نفوذها القائم على تحويل الشراكات الاقتصادية إلى نفوذ طويل الأمد من دون صدام مباشر.

غير أن ما يضغط على بكين هنا ليس فنزويلا وحدها، بل تزامن مطاردة التموضع عبر مسارح متعددة: في الشمال القطبي، وفي الخليج والشرق الأوسط، وفي آسيا، وفي أفريقيا، حيث تدار المنافسة على البحار وعُقد العبور البرية وسلاسل الإمداد والموارد والتكنولوجيا، ومسارات الطاقة والتمويل التي تمنح الشراكة الاقتصادية قابلية التحول إلى تموضع جيوسياسي.

ومع ذلك تميل الصين إلى تثبيت مبدأ عدم التدخل وإدانة سلوكيات الإكراه وتقويض سيادة الدول، مع إبقاء أدواتها الفعلية في منطقة الاقتصاد والعقود والاستثمار وإشارات التحذير المرتبطة بسلاسل الإمداد والطاقة والموارد النادرة والتكنولوجيا الدقيقة، أي في الحقل الذي تعرف أنه يوجع خصمها من دون أن يمنحه ذريعة حرب مفتوحة.

أما الموقف الروسي فقد بدا حضوره أقل تحفزا وأكثر خطابية، تفرضه حدود القوة قبل حدود المصلحة. استنزاف موسكو في أوكرانيا قلص هامش حركتها من دون أن يلغي مصالحها الرمزية والجيوسياسية، فتمرير سابقة من هذا النوع دون اعتراض يعني الإقرار بتحول الاختراق إلى قاعدة.

غير أن محدودية الأدوات التي تملكها روسيا في أمريكا اللاتينية تجعل أقصى ما يمكنها هو تحويل الحدث إلى مادة تعبئة في حرب الشرعيات، وإلى ورقة مساومة في ملفات أخرى.

أما أوروبا فتجد نفسها في موقع أكثر التباسا؛ فهي شريك داخل المنظومة التي تدار بها هذه التحولات، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن منطق إعادة هندسة المجالات لا يقف عند حدود الخصوم فقط، بل يقترب من هوامش التحالف ذاته، لذلك يميل موقفها إلى الجمع بين تغطية التحرك الأمريكي من جهة، والسعي إلى احتواء آثاره ومنع تحوله إلى سابقة قابلة للارتداد على استقلال قرارها من جهة أخرى.

الشرق الأوسط: مسرح للصراع وإعادة هندسة النفوذ

ومن هنا تزداد الخطورة، فحين تضيق أدوات الرد لدى الخصوم وحتى الحلفاء، سيكون سهلا على أمريكا تجاوز السقف بسوابق جديدة في كل مرة.

وإذا كان هذا النمط قد بدأ في "المجال الغربي"، فإن انتقاله إلى الشرق الأوسط لن يكون اعتباطيا؛ لأن هذه المنطقة تمثل العقدة الجيوسياسية الأكثر حساسية في الصراع العالمي الجاري.

هنا تتقاطع الممرات البحرية والطاقة والأسواق وطبقات الشرعية السياسية والدينية، وهنا تختبر القدرة على التحكم في الشرايين التي تغذي الاقتصاد العالمي. من يملك القدرة على ضبط باب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط والخليج، يملك قدرة تتجاوز إدارة التجارة إلى التأثير في اقتصادات أوروبا وآسيا وأفريقيا معا.

وتفكيك هذه العقدة أو إعادة هندستها لا يعني فقط إضعاف خصم بعينه، بل إعادة توزيع القدرة على الحركة داخل النظام الدولي كله. لذلك يتعزز موقع الشرق الأوسط كمسرح مركزي لإدارة التنافس الأمريكي-الصيني، وتتحول أزماته الداخلية إلى أدوات في صراع أكبر من حدوده المباشرة.

من هنا يفقد أي تحليل معناه إن لم يربط ما يجري في فنزويلا باليمن، والصومال، والسودان، ولبنان، وسوريا، وغزة، وبالصراع مع إيران، وبمستقبل تركيا، وبالدور الذي تؤديه إسرائيل داخل التصور الأمريكي الأشمل.

هذا الربط لا يقوم على شعارات أو فرضيات تآمرية، بل على قراءة متأنية لحصيلة عقدين من الاضطرابات التي توجت بحروب السنتين الإسرائيلية في المنطقة، والتي تزامنت مع تفاقم الصراعات الداخلية في أكثر من إقليم وتشابك المنخرطين فيها، حيث باتت الممرات البحرية والموانئ والعقد التجارية في صلب تعريف الأمن القومي نفسه، بينما وظف كل ذلك في إعادة صياغة المنطقة بوصفها فضاء قابلا لإعادة الهندسة.

المنطقة لا تفكك دفعة واحدة، بل عبر إدارة ذكية للانقسام، تحول كل أزمة إلى أداة، وكل صراع داخلي إلى طاقة تشغيل ضمن ماكينة الهيمنة العالمية

إسرائيل الوظيفية ومنع التوازن في الإقليم

ضمن هذه المعادلة، لا يمكن فهم الدور الإسرائيلي خارج وظيفته التشغيلية داخل الإستراتيجية الأمريكية الأشمل. إسرائيل ليست مجرد حليف عسكري أو كيان يتعامل معه باعتباره خصوصية تاريخية، بل أداة متقدمة لإدارة المجال العربي والإقليمي الأوسع، تربط فيه الأمن بالممرات، وتحول التفوق العسكري إلى وسيلة؛ لمنع تشكل أي إمكانية لتوازن إقليمي مستقل.

المشروع الصهيوني يؤدي وظيفة مزدوجة، من جهة يسعى إلى كسر التراكم لدى الخصوم المحتملين عبر خلق الاضطرابات ودعم القوى الانفصالية وربما الاعتراف الأحادي بها، ومن جهة أخرى منع تشكل فضاء إقليمي قادر على إدارة ذاته خارج المظلة الأمريكية، بحيث يصبح أمن إسرائيل جزءا من هندسة أوسع لإعادة ترتيب المنطقة.

هذه الهندسة تتحرك فيها إسرائيل عبر التطبيع بوصفه ركيزة إقليمية تتيح التحكم بالترتيبات الأمنية والاقتصادية والموانئ في جغرافيا واسعة داخل المنطقة، بينما تدفع باتجاه تدويل البحر الأحمر تحت عناوين حماية الملاحة وتهديد حركة أنصار الله، وتطويقه عبر القرن الأفريقي، حيث يعاد تعريف المجال السياسي عبر الاعتراف بكيانات ناشئة والتموضعات العسكرية والأمنية المرافقة لذلك.

وهو ما يفسر ولو بشكل جزئي الصراع داخل اليمن وحوله، فالموانئ اليمنية تحولت إلى عقدة هيمنة في الصراع الجيوسياسي الأكبر، إذ إن التحكم بها يعني التحكم في الحدود الاقتصادية، وما يترتب على ذلك من قدرة على ابتزاز الدول وإعادة تشكيل المجال السياسي جنوبا وشرقا.

بينما يمثل السودان الحلقة الأكثر قسوة في هذا المسار، حيث تدار الحرب بوصفها منظومة استنزاف ممتدة ومتطاولة. ومع دخول الساحل والبحر الأحمر في لعبة الممرات، تتقاطع حرب السودان والصراع في ليبيا مع حرب اليمن، ومع إعادة ترتيب القرن الأفريقي ضمن مسار واحد يتحكم في مجرى يمتد من باب المندب إلى قناة السويس، ويعيد تعريف الأمن القومي لدول مركزية- خصوصا مصر والسعودية- التي تبتز بمشاكل الأمن والحدود وبشريان الاقتصاد المتصل مباشرة بتدفق التجارة والطاقة.

إيران وإعادة هندسة الامتثال في الشرق الأوسط

ضمن هذه اللوحة، تظهر إيران بوصفها عقدة الممرات وعقبة أمام إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمريكية؛ لأنها تحولت إلى الساحة التي يختبر فيها نمط متقدم من إدارة الصراع مع الدول ذات الوزن الإقليمي.

فالعقوبات الممتدة، وتجفيف الموارد، وإعادة تشكيل المجال الاقتصادي والسياسي لم تعد وحدها أداة الضغط، بل جرى إسنادها بطبقة أخرى من الاشتغال تقوم على إدارة التوترات الداخلية بوصفها مجال تأثير مباشر.

حيث تستثمر الولايات المتحدة وإسرائيل في ديناميات الاحتجاج، عبر أدوات حرب المعلوماتية والشبكات الاستخبارية التي توظف في تغذية الاضطراب الاجتماعي، بما يسمح بإعادة هندسة سلوك الدولة، أو تمهيد الأرضية للمواجهة العسكرية المفتوحة، بما يجعل الاستهداف يتجاوز الدولة الإيرانية ذاتها إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي.

وهنا تكتسب المقارنة مع فنزويلا معناها الكامل؛ فكما قدمت فنزويلا نموذجا أوليا لإعادة ضبط المجال اللاتيني تحت سقف الهيمنة الأمريكية، تطرح إيران اليوم كنقطة ارتكاز لإعادة هندسة الامتثال في الشرق الأوسط، بما يفتح الباب أمام الانتقال من استهداف دولة بعينها إلى إعادة رسم توازنات المنطقة كلها وفق منطق تفوق أمريكي- إسرائيلي دائم.

إضعاف تركيا عبر البيئات المتاخمة

وفي هذه اللوحة المركبة، لا يمكن إغفال موقع تركيا، باعتبارها واحدة من أعمدة أي توازن إقليمي محتمل.

تركيا تمتلك موقعا يربط البحر الأسود بالمتوسط، وتملك قدرة عسكرية واقتصادية وسياسية تجعلها عنصرا حاسما في معادلات سوريا وشرق المتوسط والطاقة والممرات، ولهذا تصبح الساحة السورية مجال منع تموضع تركي بقدر ما هي ساحة شد مع إيران.

ويغدو الدور الإسرائيلي أداة كبح لأي تقاطع تركي-إيراني-عربي يمكن أن يفضي إلى إعادة تشكيل المجال خارج التحكم الأمريكي. ويكرس عمليا منطق التفكيك الذي يمنع تشكل كتلة إقليمية وازنة قادرة على إدارة مصيرها.

غير أن إدارة هذا المنع لا تقتصر على توازنات القوة التقليدية، بل تمتد إلى تشغيل الهشاشات الداخلية في البيئات المتاخمة، حيث تستثمر اضطرابات الحدود المجاورة، وتفتح مساحات تحريك الهويات الفرعية والعرقيات العابرة للحدود، كأداة لتقييد حركة تركيا وإضعافها، ومنع تحولها إلى رافعة توازن إقليمي مستقل.

وفي ذات السياق، يتم التعامل مع لبنان وسوريا كنقطة تماس في المشهد الأكبر، حيث تعمل إسرائيل على تثبيت معادلة تمنع نشوء توازن ردعي دائم في جنوب لبنان، وتبقي الجنوب السوري مجالا مفتوحا للتدخل "الوقائي"، وتغلق الطريق أمام أي تموضع إقليمي يقيد حركتها.

غير أن هذا الاشتغال لا يقتصر على إدارة خطوط النار المباشرة، بل يمتد إلى الاستثمار في هشاشة البنية الداخلية ذاتها، خصوصا في سوريا، حيث يتم تغذية مسارات الانقسام الداخلي، وفتح هوامش دعم للهويات الفرعية والعرقيات في الجنوب والشمال، بما يبقي سوريا في حالة تفكك مزمن يمنع تعافيها، ويحول استقرارها إلى ورقة مقايضة تربط بوظائف امتثال أمني طويل الأمد، بما يخدم معادلة التفوق الإسرائيلي والحيلولة دون نشوء دولة سورية قادرة على إعادة تجميع مجالها الوطني، أو الانخراط في أي توازن إقليمي فاعل.

هشاشة المجال العربي وشرط استعادة الفعل

في المشهد الأعمق، تدخل المنطقة العربية مجتمعة إلى هذه التحولات المتشابكة وهي مثقلة بإرث دولة ما بعد الاستعمار، وببيروقراطية منفصلة عن المجتمع، وبنخب سياسية عجزت عن إنتاج مشروع جامع، أو تعريف الخطر أو إدارة الاختلاف.

الصراعات العربية-العربية، والتناقضات السياسية داخل كل دولة، والانقسامات المذهبية، والتوترات مع الجوار، لم تُحتوَ داخل سقف يضبطها، بل تركت لتتحول إلى مسارات استنزاف ذاتي تضعف الجميع، وتمنح الخارج قدرة على إعادة ترتيب المجال بأدوات أقل كلفة.

في هذا السياق، لا تستهدف دولة بعينها بقدر ما يستهدف المجال العربي كله عبر إبقائه مفككا ومتنافسا وغير قادر على تحويل وزنه الديمغرافي والاقتصادي وإرثه التاريخي الحضاري إلى قوة سياسية فاعلة.

حين تقرأ هذه الصورة في ضوء المذهب الأمريكي الجديد، تتضح طبقة إضافية من وظيفة إسرائيل داخل الهندسة الإقليمية، فالشرق الأوسط ساحة لا يجوز أن تهيمن عليها قوة معادية لمنظومة الهيمنة الأمريكية، ولا يجوز للقوى- وإن كانت حليفة لأمريكا- أن تمتلك مشروعها أو تستقل بقرارها أو تصنع مستقبلها، فأمن إسرائيل يثبت مع توسيع التطبيع ومع إذكاء الصراعات الداخلية وتوجيهها كمواد تشغيل قابلة لإعادة التدوير. فالصراع الداخلي جزء من الخريطة التي يعاد هندستها، وتفكيك المجال آلية تتغذى من ذاته ما دامت المنطقة تدار بجزر منفصلة.

لا يكفي الحديث عن أفول النظام الدولي ومؤسساته، فالرثاء لا مكان له في لعبة الأمم، الأهم هو فهم ما يستبدل به، فنحن إزاء نمط إدارة تتراجع فيه المؤسسات الدولية، لتحل محلها ائتلافات المصلحة والقوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية التي تنتج قانونا فعليا فوق القانون المكتوب.

وفي المنطقة العربية التي اعتادت أن تكون مختبرا لحالات الاستثناء، تتضاعف خطورة هذا التحول، لأن هشاشتها الداخلية تجعلها أكثر قابلية لتكون مسرحا لتطبيق مذهب ترمب الجديد، الذي لا يعترف بالدول ولا يؤمن بالتحالفات، وإنما بالامتثال، والمشروطة ذاتية التدمير.

الخلاصة التي تفرض نفسها هنا، أن ما جرى في فنزويلا، ليس محسوم النتائج، فالعين تبقى على اليوم التالي وطبيعة استجابة الفواعل الاجتماعية والسياسية والعسكرية وشبه العسكرية داخل البلد، وهو ما سيحدد إذا ما كانت الخطوة الأمريكية خطوة محسوبة أم ورطة ستنقلب إلى ضدها.

أيضا لا يعتبر ما حصل إعلان حرب مباشرة مع الصين، لكنه علامة على انتقال التنافس معها من مجال يمكن احتواؤه اقتصاديا إلى مستوى أكثر خشونة من صراع النفوذ الذي تستخدم فيه أدوات الكسر والمنع القسري.

ومع تضييق الخناق على روسيا، تتكثف الضغوط في الساحات الأكثر رخاوة، حيث يدفع الشرق الأوسط الكلفة العليا، بحكم موقعه ووظيفته وتشظيه.

الدعوة إلى اليقظة في المنطقة العربية والمجال الإقليمي الأوسع ليست خطابا إنشائيا، بل ضرورة عملية؛ لأن استمرار إدارة الملفات بشكل منفصل يفتح الطريق أمام خصم لا يحتاج إلى إسقاط الجميع دفعة واحدة، بل يكتفي بمنعهم من الاجتماع.

من هنا، لا يعود التفكير في مستقبل المنطقة ممكنا من داخل حدود الدولة القُطرية وحدها، بل يفرض نفسه من داخل سؤال المنطقة ككل، بوصفها وحدة إستراتيجية لا تنكر التناقضات التاريخية، لكنها تديرها ضمن سقف يمنع التفكيك ويوقف الاستنزاف الداخلي والبيني.

المنطقة العربية، وتركيا، وإيران، ليست مطالبة بالتطابق ولا بالتحالف الأيديولوجي، لكنها مطالبة بتعريف حد أدنى من المصالح المشتركة، يمنع استخدام إسرائيل الوظيفية لإعادة هندسة المجال. من دون هذا الإدراك، سيبقى كل طرف يظن أنه قادر على النجاة منفردا، فيما يجري تفكيك المجال الذي يعيش فيه قطعة قطعة.

هذا الأفق لا يقوم على القوة العسكرية وحدها، بل بالاعتراف بالخطر الوجودي وطبيعة الوظيفة الإسرائيلية داخل الهيمنة الأمريكية الأوسع، وطبيعة السياسات التي تستهدف تفتيت المنطقة وإعادة تشكيلها وفق رؤى استعمارية مطورة.

هذا الأفق لا يتعامل مع قضية فلسطين كصراع جغرافي أو سكاني أو إنساني، وإنما كبؤرة تنفذ إلى صميم الأمن القومي العربي والإسلامي.

الوعي العميق بأن الحروب الداخلية- مهما تعددت ذرائعها- تنتهي إلى خدمة القوة الصهيونية التي تدير التفكيك من الخارج، وأن وقف الاستنزاف كشرط أولي لاستعادة القدرة على الفعل، هو وعي بطبيعة المرحلة وخطورتها، وهذا لا يتحقق بدون رؤية مشتركة وتعالٍ على الخلافات الهامشية التي أفقدت المنطقة مناعتها.

فاللحظة التي تعيشها المنطقة لا يكفي معها المراقبة ولا حتى الإدانة، ولا يمكن إدارتها بصورة منفردة، بل تقتضي قراءة دقيقة لكيفية إدارة اللعبة، ثم قرارا واعيا بشأن موقع المنطقة فيها والمهمة التاريخية التي تنتظرها.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".