غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور هديل فرحات.. عينٌ غابت وقلبٌ ينتظر عودة الغائب

هديل فرحات 3.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا فقط، بل بالقصص التي تظل تنزف بصمت داخل صدور الناجين، هديل فرحات، شابة في الثانية والعشرين من عمرها، واحدة من تلك الحكايات التي تختصر الألم والصبر معًا.

بين إصابتين قاسيتين، وفقدان عين، وغياب زوج، تعيش هديل فرحات اليوم على أمل لا ينكسر: الشفاء وعودة الغائب.

وتبدأ حكاية هديل من داخل مستشفى الشفاء، حيث كانت تعمل على إسعاف الجرحى، قبل أن يتحول المكان من ملاذ للإنقاذ إلى هدف للقصف.

وسط الفوضى وأصوات المصابين، وجدت نفسها فجأة بين الضحايا، أصيبت في ساقيها، وكانت الإصابة في اليمنى الأشد، بعدما تسبب القصف بقطع العصب، ما أفقدها الإحساس والحركة بشكل شبه كامل.

تستعيد تلك اللحظات قائلة: "كنت شايفة كل إشي، وحاسة برجلي وأنا بنزف، بس مش قادرة أعمل حاجة."

هديل فرحات.jpg
 

ومنذ ذلك اليوم، لم يفارقها الألم: "صارلي سنتين ما بحس برجلي، وما بقدر أحرك أصابعي، ووجعها ما بتركني."

لم تمنحها الحياة فرصة للتعافي. فبعد أشهر قليلة، وبينما كانت تحاول التكيف مع واقعها الجديد، جاءت الإصابة الثانية، أكثر قسوة. خلال ساعات الليل، استهدفت غارة المكان القريب منها، لتُنتشل من تحت الركام فاقدة إحدى عينيها، ووجهها مثقل بإصابات عميقة.

تقول: "كنت نايمة، فجأة صحيت مش عارفة أنا وين، لقيت حالي بالمستشفى… أول ما صحيت صرت أصرخ: بدي عيني."

لم يكن فقدان العين مجرد إصابة جسدية، بل صدمة نفسية عميقة، جعلتها تشعر بأنها فقدت جزءًا من ذاتها، وباتت بحاجة إلى عمليات جراحية معقدة لاستعادة جزء من ملامحها.

وسط هذا الألم، لم تكن هديل وحدها، إلى جانبها كان خطيبها، الذي رفض التخلي عنها رغم كل ما حدث، قائلة: "حكيتلو شوف وحدة غيري، بس ما رضي، هو وأهله كانوا سند إلي".

تزوج هديل في محاولة لانتزاع لحظة حياة من قلب الركام، ورُزقا بطفل أعاد لها بعض الضوء الذي فقدته. لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد.

بعد ثلاثة أشهر فقط من ولادة طفلهما، خرج زوجها بحثًا عن الحطب في ظل انعدام الغاز ومقومات الحياة، ولم يعد، "راح وما رجع، ولحد اليوم ما في أي خبر عنه."

هديل فرحات 2.jpg
 

تحوّل الغياب إلى انتظار مفتوح بلا إجابات، وزادت المسؤولية على كاهلها، خاصة مع طفل رضيع يحتاج إلى رعاية مستمرة.

اليوم، تعيش هديل بين بيت عائلتها، محاطة بدعمهم، لكنها تواجه تحديات يومية قاسية، فالحركة أصبحت مرهقة، وحمل طفلها ليس أمرًا سهلًا في ظل إصابتها، تقول: "لما بدي أطلع مشوار، بتعب كتير، وما بقدر أحمل ابني لحالي، بحتاج حدا يساعدني."

ورغم اعتمادها على عائلتها، تحاول أن تتجاوز شعورها بأنها عبء على من حولها، وتسعى لاستعادة جزء من استقلاليتها.

وفيما يتعلق باحتياجاتها العلاجية والتيس لا تزال قائمة؛ حيث تحتاج ساقها إلى تدخل جراحي متخصص، وعينها تتطلب عمليات تجميلية معقدة، ومع ذلك يبقى حلم السفر يراودها من العلاج.

ورغم كل ما مرت به، لا تزال هديل تتحدث بلغة الأمل، وترى في طفلها دافعًا للاستمرار، وتحاول أن تبني له حياة مختلفة، مؤمنة بأن القادم قد يكون أفضل، مضيفة: "نفسي أتعالج، وأرجع زي قبل، وأكون قوية عشان ابني."

قصة هديل ليست مجرد حكاية إصابة، بل صورة مكثفة لمعاناة جيل كامل وجد نفسه في مواجهة الحرب دون درع. هي قصة أم تحارب وجعها لتبقى واقفة، وزوجة تنتظر، وإنسانة تتشبث بالأمل رغم كل ما فقدته.

هديل فرحات 1.jpg
 

بين عينٍ غابت، وساقٍ تنتظر الشفاء، وقلبٍ معلّق بعودة زوج مفقود، تواصل هديل رحلتها بصبر نادر. لا تطلب الكثير، فقط فرصة للعلاج، ويدًا تمتد لتخفف عنها هذا الحمل الثقيل.

وفي عيني طفلها الصغير، ترى مستقبلها، وتتمسك بأمل واحد لا يغيب: أن يعود والده يومًا، وتعود هي للحياة التي تستحقها.

 

هديل فرحات 4.jpg


هديل فرحات 3.jpg