غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

إعادة تعريف مفهوم الموت عند الأحرار

كمين حزب الله لقوة إسرائيلية جنوب لبنان.png

كتب: يسري الغول

كنت أتصفّح الفيسبوك حين طالعني وجه الشهيد ياسر بربخ من جنوب قطاع غزة، ذلك الشاب الذي قمت بتدريبه ذات مرة ضمن برنامج القيادة الشابة- جيل جديد، وكان مختلفاً عن أقرانه في انتمائه غير العادي تجاه فكرة المقاومة ضدّ أيّ احتلال وتشكيلاتها التي تنسجم مع كلّ القوانين والشرائع الدينية والدولية، حيث ذهبت لأقرأ شيئاً من منشوراته على ذلك الفضاء، خصوصاً وقد قضى شهيداً بعد أشهر من حرب الإبادة التي لا يزال يتعرّض لها شعبنا في قطاع غزة حتى لحظة كتابة تلك السطور، وكان أوّل ما طالعني لياسر هو ذلك النصّ الذي يسأل فيه عن الموت، قائلاً:" الموت، ما الموت؟ هل حقاً نخشى الموت؟

لا أعتقد أنّ شعباً بهذه المواصفات الاستثنائية يخاف لقاء ربه شهيداً، تسأل أحداً عن الأمر فيجيب: "مش خايف على حالي، خايف على أهلي"، وهكذا فالجميع يخاف على الجميع، ولا يخاف الموت... بالمقابل، فإننا -جميعاً- على استعداد لبذل أرواحنا في سبيل قضيتنا الأكثر عدالةً على وجه الأرض، في سبيل أحلامنا الكبرى...".

واليوم أمام حالة الالتحام غير العادي في لبنان مع الاحتلال، والقتال الشرس ضدّ آلة البطش الإسرائيلية والمواجهة من مسافة صفر، فإنك تفهم معنى الانتماء الحقيقي لقضية عادلة والإيمان في سبيل تحقيقها.

إذ أدرك الجيل الجديد من الشبان العرب -رغم زبد المتصهينين- أنّ "دولة" الاحتلال لا تأبه بأيّ صلح، ولا تعترف بأيّ قانون، وتمارس ساديتها بحقّ العجائز والنساء والأطفال، تماماً كما جرى مع الطفل جواد أبو نصار من مخيم المغازي مؤخّراً، عندما أحرقه الجنود الإسرائيليون بأعقاب السجائر من أجل انتزاع أيّ اعتراف من أبيه المعتقل لديهم، في الوقت الذي صمتت فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن تلك الواقعة التي تنتهك كلّ أبجديات حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني وغيرها، حيث لم أجد أيّ تقرير أو بيان رسمي من تلك الجهة التي أحضرت الطفل إلى والدته، يدين أو يستنكر ذلك الفعل حتى اللحظة.  

نموذج ياسر رحمه الله، يشبه كلّ الأصدقاء الذين مرّوا على شريط الذاكرة، كانوا يحبّون الحياة، يحلمون بالاستقرار، ينتظر كلّ واحد منهم الفرصة لينتهي من دراسته الجامعية، هذا في أحسن الأحوال، حيث لم يكن الآباء قادرين على توفير المال للدراسة في الجامعات المحلية، لكنهم كانوا يستدينون المال، ثم عندما ينتهي الشاب منهم ويحصل على معدّل جامعي مرتفع، يكتشف أنّ نسبة البطالة تجاوزت 65% في قطاع غزة المحاصر، ولا يوجد أيّ فرصة عمل، وحتى الفرص المتوفّرة لا تساهم بشراء بعض المواد الإسمنتية من أجل بناء شقة متواضعة، حيث كلّ شيء بعشرات أضعاف السعر الطبيعي، وكلّ ذلك من أجل الوصول إلى مرحلة الزواج والاستقرار، ولأجل ذلك، عندما يتابع القارئ الأبحاث والمقالات حول الحقبة المريرة التي عاشها الفلسطيني قبيل حرب الإبادة، سيكتشف أنّ حالات العنوسة كبيرة، والأرامل بتن أكثر اليوم لأنّ "جيش" الاحتلال أرسى الخراب وسيّد الخونة الذين يهاجمون روح وفكرة ياسر وياسين والشقاقي.

لقد عمل وجود الاحتلال على انتزاع تلك الفكرة البيولوجية والإنسانية الصرفة، من الزواج إلى الإنجاب، ليأخذ الشبان الحالمون إلى القضايا الأكثر شمولية بالبحث عن الحرية، فلا موانئ أو مطارات، لا رواتب أو مساحات تتوفّر لصناعة الحياة، فصار الدفاع عن الوطن والاستماتة بخلق واقع جديد، لأجيال أخرى لاحقة، لا تعيش الهزيمة كما يعيشها العربي اليوم، هو الهدف المركزي لكلّ هذا الجيل العظيم، بخلاف جنود "دولة" الاحتلال الذين جاءوا من أصقاع شتى، لآباء أو أمهات بجنسيات أخرى، لا يعرفون معنى الوطن، يتلذذون بقتل الأطفال أو تعذيب الرجال أو اغتصاب الشباب والفتيات، ظناً أنهم سيظلون دوماً في حالة هجوم، تحوطهم طائرات الاستطلاع والطائرات الحربية الأخرى، من دون أن يعرفوا أنهم قتلوا حبّ الحياة في قلوب أقرانهم الفلسطينيين واللبنانيين، وكذلك الإيرانيون وكلّ أحرار العالم، وأنّ الانتقام مقبل لا محالة، خصوصاً وأنّ "دولة" الاحتلال محاصرة بدول تدين بالدين واللغة والقومية نفسها، وتعيش على عقلية الثأر المقدّس ولو بعد حين. 

وفي هذا السياق، وبالحديث عن ياسر الذي يشبه الحسين بن علي، وكذلك تشي جيفارا وكلّ الأحرار في هذا العالم، حيث كان يحظى باحترام وتقدير أقرانه، يدفعنا للمقارنة بين هذا الجيل، وآخرين باتوا يعملون كأدوات غير مؤطرة للاحتلال، من خلال جلد الضحية وعدم مواجهة الجلّاد، يهاجمون الأحرار في ميادين النضال، رغم أنهم يعلمون أنّ الشرائع والقوانين كافة كفلت الدفاع عن الوطن المحتل والسليب، ولكن حسبنا أنّ التاريخ لن ينسى، ولن يغفر الأحرار لهؤلاء النفر الذين سقطوا في شرك التبعيّة العمياء للاستعمار وباتوا صوت وبروبوغندا جديدة لبثّ روح الهزيمة في أشباه ياسر، ولكن أنى لهم ذلك. 

سيزول ليل الظالمين، وستشرق شمس الحرية، وستعلو رايات الحرية، بينما يلقي الشهداء من الجنان على أمتنا السلام. 

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".