غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"دار أبونا".. مقدسيون يُعيدون الحياة لباب العامود بأساليب مبتكرة

باب العامود
شمس نيوز - القدس المحتلة

يُعد باب العامود في مدينة القدس المحتلة أكثر من مجرد مدخل تاريخي للبلدة القديمة، فهو يمثل الروح النابضة والقلب الاجتماعي للمقدسيين.

ومنذ سنوات، تسعى قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل حثيث إلى تغيير معالم هذا الحيز وتفريغه من أهله عبر إجراءات أمنية مشددة تمنع الجلوس على مدرجاته الشهيرة أو إقامة الفعاليات الوطنية والاجتماعية.

تتحدث المقدسية شيماء عبد ربه عن ذكرياتها في هذا المكان الذي كان ملاذاً للتنزه واللقاء العفوي بين الأقارب والأصدقاء، إلا أن هذه الصورة الجمالية تعرضت للتشويه بفعل المواجهات المستمرة واستهداف الاحتلال للمواطنين بالضرب والاعتقال، مما ولد حالة من الخوف لدى الأجيال الناشئة التي شهدت قمع الاحتلال في الساحة.

في محاولة لمواجهة هذا الترهيب، لجأت عائلات مقدسية إلى ابتكار أساليب لتعزيز ارتباط أطفالها بالمكان، حيث قامت شيماء بتحويل مدرجات باب العامود إلى مساحة تعليمية لطفلها كنان.

ومن خلال أنشطة بسيطة مثل العد واللعب، نجحت في استبدال ذكريات العنف بصور إيجابية تعيد ترسيخ الانتماء للقدس وأبوابها التاريخية.

من جانبه، يصف الناشط المقدسي رمزي العباسي باب العامود بعبارة "دار أبونا"، مؤكداً أنه رمز للسيادة والصمود والرباط الفلسطيني.

ويشير العباسي إلى أن القيود المتتالية حولت الساحة من مكان للأمان والراحة إلى ثكنة عسكرية تعج بأبراج المراقبة والكاميرات التي تلاحق كل حركة للمقدسيين.

ويعاني باب العامود اليوم من حالة "يتم" قسري، حيث يفتقد أبناءه الذين اعتادوا تبادل الأحاديث اليومية على مدرجاته قبل أن تفرض قوات الاحتلال واقعاً أمنياً معقداً.

ورغم هذه المنغصات والتفتيش الاستفزازي، يؤمن المقدسيون بأن هذه الانتهاكات ستزول وسيبقى الباب عنواناً أصيلاً لكل الأجيال الفلسطينية.

تاريخياً، بدأت عملية تحويل الباب إلى ثكنة عسكرية عقب هبة "باب الأسباط" في صيف عام 2017، حيث تم نصب غرف مراقبة أمنية وأربعة أبراج عسكرية في الساحة المقابلة.

وتهدف هذه المنشآت إلى توفير الحماية للمستوطنين الذين يستخدمون المسار للوصول إلى ساحة البراق، خاصة خلال ما يسمى "مسيرة الأعلام".

وفي شهر رمضان من عام 2021، بلغت إجراءات التضييق ذروتها بنصب سواتر حديدية منعت المقدسيين من التجمع، مما أشعل مواجهات عنيفة انتهت بإزالة تلك الحواجز بضغط شعبي.

وتكررت هذه السياسة مؤخراً مع إغلاق الباب أمام الفلسطينيين باستثناء سكان البلدة القديمة، تزامناً مع تطورات سياسية وعسكرية في المنطقة.

ويرى الباحث الأكاديمي ساهر غزاوي أن ما يحدث في باب العامود هو جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة للسيطرة على الحيز العام وإعادة تشكيله.

ويوضح غزاوي أن الاحتلال يسعى لإخضاع هذا الموقع الحيوي لمشروع التهويد عبر أدوات تصعيدية تهدف إلى إضعاف الحضور الفلسطيني الطبيعي في المدينة.

ويشكل باب العامود الشريان الرئيسي للبلدة القديمة، واستهدافه يعني ضرب أحد أهم الفضاءات الجامعة للفلسطينيين في القدس.

فالاحتلال لا ينظر للمكان كمجرد ممر، بل كمنصة للتفاعل اليومي والاحتجاج الشعبي، وهو ما يسعى لتفكيكه عبر العسكرة والرقابة اللصيقة.

وتتضمن السياسات الإسرائيلية أيضاً ممارسات رمزية مثل فرض مرور المسيرات الاستيطانية وتغيير أسماء الشوارع المحيطة، في محاولة لطمس الطابع العربي والإسلامي للمنطقة.

ويهدف هذا التغيير الثقافي والسياسي إلى إدماج المكان ضمن سردية بديلة تلغي تاريخه العريق.

وتؤدي هذه الإجراءات عملياً إلى تحويل الوجود الفلسطيني من حالة طبيعية إلى وجود مجزأ ومقيد، مما يضعف القدرة على التنظيم الجماعي.

كما يساهم تفريغ المكان في إخماد الدور السياسي الذي لعبه باب العامود كنقطة ارتكاز للمبادرات الشبابية والحراك الشعبي الفاعل في السنوات الماضية.

في حين يربط الباحث غزاوي بين عسكرة باب العامود وبين ترهيب المصلين وتقييد وصولهم إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث يعد الباب المدخل الأهم للمصلين.

فتكثيف الحواجز والتفتيش يحول مسار الوصول إلى الأقصى من تجربة روحية طبيعية إلى رحلة محفوفة بالقيود والضغوط الأمنية.

وهذه السياسة ليست وليدة اللحظة، بل هي تراكمات مستمرة منذ احتلال القدس عام 1967، وتتصاعد حدتها في فترات التوتر الأمني.

وتترافق هذه الإجراءات مع تحريض مستمر من جماعات استيطانية متطرفة تطالب بتغيير الواقع القائم في المسجد الأقصى وكافة معالم الهوية المقدسية.

في نهاية المطاف، يبقى باب العامود ساحة للصراع على الهوية والسيادة في القدس، حيث يواجه المقدسيون بصدورهم العارية محاولات فرض واقع جديد.

ورغم كل أبراج المراقبة والتحصينات العسكرية، يظل المكان شاهداً على قصص الصمود اليومي لأهل المدينة الذين يرفضون التنازل عن فضاءاتهم العامة.