خرج للبحث عن طعام لأسرته بين شاحنات المساعدات القادمة من محور "موراغ" جنوب قطاع غزة. كان ذلك في أغسطس/آب 2025، وحتى الحين لم يعد الطفل أحمد أبو عواد.
سُجِّل اسم أحمد ضمن قائمة طويلة من المفقودين الذين بقي مصيرهم مجهولا حتى هذه اللحظة.
ويعيش ذوو الأطفال المفقودين في غزة في دوامة من الترقب والبحث عن أي خبر يعيد لهم الأمل بعودة أبنائهم الذين فقدت آثارهم في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وعلى مدى عامين.
ورغم مرور كثير من الوقت على انقطاع تواصل العائلات مع أطفالهم، فإنهم ما زالوا يطرقون جميع الأبواب لعل فلذات أكبادهم يعودون أحياء يوما ما.
24 قصة ألم ما زال يحذوها الأمل
وتُدرج وزارة التنمية الاجتماعية في غزة 24 طفلا ضمن قائمة المفقودين الذين غابت آثارهم فجأة، وهم ليسوا ضمن المدفونين تحت الأنقاض.
وتقول سوسن الرقب، والدة الطفل أحمد أبو عواد (15 عاما)، إن صغيرها خرج مع آلاف الغزيين في 11 أغسطس/آب 2025 إلى نقطة "موراغ" بين مدينتي رفح وخان يونس، للحصول على بعض المساعدات لإطعام أشقائه وعائلته، لكنه لم يعد ومصيره ما زال مجهولا، ولا تدري ما حدث له منذ ذلك الحين، وما إذا كان أسيرا أم شهيدا.
وتضيف : "لا أدري ما حال طفلي وما يعيشه، كُتب اسمه ضمن ملفات المفقودين دون معرفة مصير محدد له، ولم أترك مؤسسة تُعنى بحقوق الأسرى والشهداء والمفقودين إلا وتحدثت إليها، وسألت عنه الأسرى الذين خرجوا من سجون الاحتلال، ولم أصل لأي معلومة عن مصيره".
تبكي هذه الأم شوقا لرؤية طفلها أو لمعرفة أي معلومة عنه، حتى أنها تمنت أحيانا أن يكون قد استشهد وعرفت مصيره، بدلا من لوعة القلب التي تعيشها ولا تدري عنه شيئا.
خرج للبحث عن شقيقه ففُقِد هو الآخر
ولا يبدو حال وفاء بلور -التي بحثت طويلا عن شقيقَيها ولم تجد لهما أثرا- مختلفا، وقصّت هذه الغزّية للجزيرة نت تفاصيل تلك الحادثة الأليمة، التي بدأت بخروج أشرف (14 عاما) لشراء احتياجات للمنزل الواقع في حي تل الهوا جنوب غرب مدينة غزة يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، لكنه لم يعد".
وآنذاك، كان جيش الاحتلال الإسرائيلي قد بدأ تقدمه البري تجاه جنوب مدينة غزة حيث يقع منزل الطفل، وبعدها فرضت قوات الاحتلال حصارا على المنطقة، ولم يتمكن ذووه من العثور عليه.
وتضيف وفاء : "استنفذنا كافة الوسائل في البحث عن أشرف ولكن دون جدوى، حتى فقدنا الأمل بالعثور عليه، مع غياب أي دليل يقودنا إليه".
وما عمّق الجرح أكثر هو إخبارهم من أحد أقارب العائلة الذي تحرر من سجون الاحتلال إبّان الحرب، أنه رأى أشرف في منطقة قريبة من الحي الذي يقيمون فيه حاليا، وعندما ذهب شقيقه عدنان (23 عاما) للبحث عنه لم يعد هو الآخر.
تبكي وفاء شقيقيها وتناشد المعنيين بملف المفقودين مساعدتها على الوصول لأي معلومة تكشف مصيريهما.
بين المشافي والمنظمات الحقوقية
الخوف ذاته يبدو جليا في حديث أيمن صالح والد الطفل المفقود محمود (15 عاما) الذي خرج من المنزل خلال الحرب ولم يعد.
عن تفاصيل ذلك اليوم المؤلم يقول والده : في شهر ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلن جيش الاحتلال شن عملية برية على المناطق الشرقية لمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ورغم ذلك لم نغادر منزلنا.
وأشار إلى أن طفله خرج إلى مكان قريب من المنزل لكنه لم يعد، "لذلك رفضنا مغادرة المنطقة في انتظار عودة محمود حتى اضطررنا للمغادرة تحت القصف عندما اقترب جيش الاحتلال من المنزل".
"منذ ذلك الحين ونحن نعيش في متاهة.. لم نترك غرفة للعناية المركزة، ولا ثلاجة للموتى في المشافي إلا وبحثنا فيها، كما طرقنا أبواب جميع المؤسسات التي تعنى بشؤون الأسرى والمفقودين، حتى فقدنا الأمل برؤية طفلي مرة أخرى"، يضيف الأب بنبرة حسرة، لافتا إلى أن زوجته فقدت النطق على إثر تعرضها لوعكة صحية بعدما فقدت آثار طفلهما محمود.
8 آلاف مفقود بينهم 2900 طفل
تقول مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرا ندى نبيل إنه لا يمكن الجزم بشكل دقيق بأعداد المفقودين في قطاع غزة أو تصنيفاتهم، سواء من حيث الجنس أو الفئات العمرية أو حالات الإعاقة، مؤكدة أن جميع الأرقام المتداولة تبقى تقديرية في ظل الطبيعة المعقدة للملف، وغياب معلومات حاسمة عن مصير هؤلاء.
وأوضحت أن عدد المفقودين يتراوح بين 7 إلى 8 آلاف شخص، ويشمل ذلك من لا يزالون تحت الأنقاض، إضافة إلى من يُشتبه بتعرضهم للإخفاء القسري على يد الجيش الإسرائيلي.
وفيما يتعلق بالأطفال، بيّنت أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 2900 طفل ضمن قائمة المفقودين، يتوزعون بين من هم تحت الركام، وآخرين يُعتقد أنهم استشهدوا أو اعتُقلوا دون الإفصاح عن أسمائهم أو مصيرهم.
وأشارت مديرة المركز إلى أن نحو 2700 طفل يُرجّح أنهم ما زالوا تحت الأنقاض، في حين يُقدّر أن قرابة 200 طفل استشهدوا وبقيت جثامينهم في الطرقات أو دُفنوا بشكل فردي أو في مقابر جماعية، أو تم اعتقالهم دون إعلان رسمي عنهم.
وأشارت الباحثة الفلسطينية إلى أن عمل الجهات المختصة في توثيق المفقودين، سواء من هم تحت الركام أو ضحايا الإخفاء القسري، يواجه صعوبات كبيرة، في مقدمتها سيطرة الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، وهي مناطق يُعتقد أن مئات الآلاف من الأشخاص لم يُبلَّغ عن مصيرهم فيها، بما يشمل عائلات بأكملها قضت تحت الأنقاض.
وقالت إن انسحاب القوات الإسرائيلية من تلك المناطق، يتيح للجهات المختصة الوصول إليها، وانتشال الجثامين، والتحقق من هويات الضحايا ومصيرهم.
كما لفتت مديرة المركز الفلسطيني إلى أن السلطات الإسرائيلية تواصل الامتناع عن الكشف عن أسماء المعتقلين لديها، رغم وجود معلومات عن سجون سرية تضم أعدادا غير معلومة من المحتجزين، مؤكدة عدم توفر أي أرقام دقيقة بشأنهم.
طفولة غزّة في أرقام
ووفق إحصائية صدرت مؤخرا عن وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، فإن عدد الشهداء الأطفال منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بلغ 21 ألفا و510 أطفال، فيما ارتفع إجمالي عدد الأيتام في غزة إلى 64 ألفا و633 طفلا، بينهم 55 ألفا و157طفلا تيتموا خلال الحرب الأخيرة على القطاع.
وبحسب الإحصائية ، فيوجد 34 ألفا و772 طفلا فقدوا أمهاتهم في غزة، و2363 طفلا فقدوا كلا الوالدين، من بينهم 2004 أطفال فقدوا والديهم خلال الحرب الأخيرة.
وتشير البيانات إلى أن 61 ألفا و424 طفلا أيتام الأب فقط، و824 طفلا كانوا الناجين الوحيدين من بين أفراد أسرهم في الحرب.
