تخيل ان توضع في كفنٍ، وترى صفوف المودعين يصطفون من حولك، هذا يبكي، وآخر يترحم، بعدها يكتب الله لك حياة جديدة.. هذا بالضبط ما حصل مع الغزي محمد نصير، العائد من الموت الى الحياة، ومن الألم الى الأمل، ومن الكفن الى حقله.
يروي محمد بلسانه تفاصيل القصة الأغرب في غزة، حيث يتذكر اليوم القاسي حينما كان نازحًا في مستشفى، ظاناً كما غيره أنه في مكان آمن؛ لكن القصف باغتهم بلا إنذار، بعدها طُلب منهم الخروج إلى الساحات العامة داخل المستشفى، فخرجوا على أمل النجاة، لتلاحقهم الطائرات بالقذائف والنيران.

قصة الكفن وثلاجة الموتى!
الجميع سقط أرضًا بين شهيد وجريح ومغشياً عليه من حجم العدوان، أما محمد فكان نصيبه ان يبقى ينزف لساعات طويلة، غارقًا بين الوعي والغيبوبة، حتى فقد الإحساس بكل شيء.
نُقل محمد إلى مستشفى كمال عدوان، وهناك، وبين ضغط الأعداد وقلة الإمكانيات، اعتُقد أنه فارق الحياة، وُضع في ثلاجة الموتى، وكُفّن استعدادًا لدفنه؛ لكن المعجزة حدثت في لحظة لا تُنسى، تحرك جسده فتح عينيه وعاد من الموت، صرخ شقيقه من شدة الدهشة: "صحي! صحي!"، لتبدأ رحلة جديدة، عنوانها النجاة بعد اليأس.
لم تكن العودة للحياة سهلة، بقي محمد أيامًا دون علاج كافٍ، يصارع الألم، حتى نُقل لاحقًا إلى مستشفى ناصر، حيث تلقى بعض الرعاية، لكن الإصابة كانت قاسية، وانتهت ببتر ساقه، ورغم اصابته المعقدة إلا ان روحه لم تنكسر، بل واصل قرار الحياة.
قرار العودة للحياة
وسط هذا الألم، كان أمام محمد خياران إما الاستسلام أو البدء من جديد، فاختار الطريق الأصوب والأجمل وهي الحياة بدعم زوجته وأطفاله، بدأ يفكر بمشروع بسيط يعيد له كرامته، فكانت الفكرة الزراعة.
على قطعة أرض صغيرة، بدأ محمد يزرع بيديه البقدونس، النعناع، الفلفل، البندورة، البطاطا وأيضاً نباتات بسيطة، لكنها حملت معنى عظيمًا.
لم يكن محمد نصير يتمسك بخيوط الامل وحده، بكل كانت زوجته خير داعمٍ له، فكانت تقف بجانبه، تشجعه وتدعمه، وتقول له: "يلا يا محمد ازرع"، فكان يزرع، رغم الألم، رغم البتر، رغم كل شيء، شيئًا فشيئًا، نبتت الأرض ونبت معها الأمل.

من الحاجة إلى الاكتفاء
تحولت تلك الزراعة الصغيرة إلى مصدر دخل صار الأبناء يبيعون منها، ويؤمّنون مصروفهم اليومي، ويأكلون منها ويعيشون منها ويشعرون بالفخر بوالدهم، فيقول محمد: "الحياة ما بتوقف على بتر ولا على مرض الحياة مستمرة لآخر نفس."
رسالة صمود
يرى محمد في قصته رسالة واضحة أن القوة ليست في الجسد، بل في الإرادة، وأن الأرض، مهما دُمّرت، قادرة أن تعود للحياة، تماماً كما روحه التي نهضت من بين الكفن، ومن داخل ثلاجات الموتى.
يستذكر محمد تفاصيل يومه الآن، وهو يتنقل بين شتلاته الصغيرة كأنها جزء من روحه، ويقول: "أنا لما بحط إيدي في التراب، بحس إني برجع أتنفس من جديد… الأرض عوضتني عن أشياء كثيرة راحت، وعلمتني إنه التعب ما بروح هدر.. كل نبتة بتطلع قدامي كأنها بتقولي: لسه في أمل… لسه في حياة."
ويضيف محمد وهو ينظر لأطفاله يعملون بجانبه "أهم حاجة عندي إني أشوف ولادي واقفين على رجليهم، مش مستنيين حدا بدي أزرع فيهم قبل الأرض، أزرع فيهم الصبر والقوة."
ورغم قسوة التجربة، يحمل محمد رسالة عميقة لكل من يسمعه، فيقول: "أنا جربت الموت بعيني، وانحطّيت في الكفن بس ربنا كتبلي عمر جديد، وهادي نعمة لازم أستغلها.. مش رح أعيش حزين أو مكسور… بالعكس، رح أعيش أقوى من قبل."
ويختم بكلمات تختصر رحلته "يمكن خسرنا أشياء كبيرة، بس ما خسرنا حالنا… الإنسان إذا ضل متمسك بإيمانه وأرضه، بيقدر يبدأ من ولا إشي ويعمل كل إشي."ويؤكد محمد بانه "مهما عملوا فينا إحنا راجعين نزرع أرضنا ونعيش فيها."
قصة محمد ليست مجرد قصة نجاة هي حكاية إنسان رفض أن يكون رقمًا في قائمة الضحايا، فاختار أن يكون بداية جديدة ومن الكفن إلى الحقل ومن الألم إلى الأمل.
