في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، تتكشف يومًا بعد يوم ملامح مأساة إنسانية عميقة، يدفع ثمنها الأطفال، وعلى وجه الخصوص الأيتام، الذين فقدوا ذويهم ووجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحياة، داخل واقع يفتقر لأبسط مقومات الأمان.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن نحو 85 ألف طفل يتمتهم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، من بينهم 27 ألف طفل فقدوا كلا الوالدين، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا سند أو رعاية أو مأوى، في حين يحاول بعضهم التمسك بما تبقى من أمل عبر مَن يمد لهم يد العون.
بين الفقد والنزوح، يعيش هؤلاء الأطفال ظروفًا تفوق طاقتهم، في وقت يتراجع فيه الدعم المخصص لهم، مقابل تصاعد الأولويات الإغاثية الطارئة من غذاء ومأوى.
وفي هذا السياق، يقول المتحدث الإعلامي باسم جمعية رواد للتنمية المجتمعية، أحمد شعبان، "إن برامج كفالة الأيتام في غزة تواجه تحديات غير مسبوقة، في ظل التحول العالمي نحو دعم الاحتياجات الطارئة".
ويضيف أن الأيتام يعيشون أوضاعًا “مأساوية وكارثية”، بعد أن فقدوا آباءهم وأمهاتهم جراء القصف، وأصبحوا يتحملون مسؤوليات تفوق أعمارهم، مثل البحث لساعات طويلة عن الطعام من التكيات، والانتظار في طوابير المياه، وجمع الحطب لإشعال النار.
ويؤكد شعبان أن واقع الأيتام يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، في ظل غياب الاحتياجات الأساسية وانعدام الرعاية النفسية، مشيرًا إلى أن هذه الفئة ما تزال مهمشة نسبيًا رغم حجم معاناتها، ما يستدعي إعادة تسليط الضوء على دعمهم نفسيًا واجتماعيًا وماديًا، خاصة في ظل انتقالهم للعيش في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
الناجي الوحيد

يروي محمد، الناجي الوحيد من مجزرة إسرائيلية، تفاصيل اللحظة التي غيّرت حياته للأبد: "كنت جالسًا في البيت مع عائلتي، وفجأة اسودّت الدنيا وامتلأ المكان بالغبار، وانهارت الجدران فوق رؤوسنا".
يقول محمد إنه استعاد وعيه ليجد نفسه في المستشفى، دون أن يدرك ما حدث، ومع نظرات الحزن في عيون أقاربه، بدأ يستشعر الفاجعة، قبل أن يُبلّغ باستشهاد والديه وإخوته، "ما صدّقت… ضليت أبكي وأصرخ: ليش أنا ضليت لحالي؟".
ويضيف: "عشنا أيامًا صعبة جدًا، بلا مي نظيفة ولا أدوية، وكل وقتنا بنقضيه نبحث عن الأكل والماء… حتى التعليم انتهى بالنسبة إلي".
خيام لا تشبه البيوت

في أحد مخيمات النزوح التي أنشأتها مؤسسة "أطفال الأرض"، تعيش عشرات العائلات، بينهم عدد كبير من الأيتام، داخل خيام بسيطة تحاول أن تكون ملاذًا مؤقتًا.
يضم المخيم نحو 50 عائلة، بإجمالي يقارب 250 شخصًا، مع توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، كالأفرشة والأغطية ودورات المياه، إلى جانب بعض أشكال الدعم النفسي.
ورغم ذلك، تبقى الحياة داخل الخيام قاسية، خصوصًا على الأطفال الذين فقدوا الأمان.
يقول خالد، وهو طفل يتيم يقيم في المخيم: "الخيمة مش زي البيت… لما تمطر بنخاف، ولما يكون في برد بنرجف. ما في حدا يطمنّا زي قبل”.
وتضيف الطفلة سارة: "نفسي أرجع أعيش زي زمان مع أهلي… بس هلا إحنا لحالنا وبنحاول نساعد بعض".
طفولة تغيّرت في لحظة

في زاوية من المخيم، يجلس سليم (13 عامًا)، حاملاً في ملامحه حكاية أكبر من عمره: "كنا في البيت، وفجأة صار قصف قوي، البيت انهار علينا، لما صحيت كنت بالمستشفى، وما كان في حدا من أهلي".
يتوقف قليلًا قبل أن يكمل: "قالولي إنهم استشهدوا… ضليت أبكي، كنت بدي أرجعهم بس ما قدرت".
اليوم، يقضي سليم يومه في تأمين أساسيات الحياة: "بنصحى بدري نجيب مي، ونوقف بالدور على الأكل… مرات بننام وإحنا بردانين. الخيمة مش زي البيت أبدًا".
لم تعد المدرسة جزءًا من حياته، ولا اللعب خيارًا متاحًا، فقد فرضت عليه الحرب مسؤوليات أكبر من عمره. ومع ذلك، لا يزال يتمسك بحلمه البسيط: "نفسي أرجع أعيش زي قبل… وأرجع أدرس وأصير زي باقي الأطفال".
طفولة مؤجلة

داخل خيام النزوح، لا يعيش الأيتام أزمة عابرة، بل واقعًا يوميًا من الفقد والحرمان، ومع استمرار الحرب، تتراكم الصدمات، وتغيب أبسط ملامح الحياة الطبيعية.
وفي هذا السياق يؤكد المدير التنفيذي لمعهد الأمل للأيتام نضال جرادة، أن المؤسسة سجّلت أكثر من 47 ألف طفل يتيم نتيجة هذه الحرب فقط، مشيرا إلى أن أي مؤسسة واحدة لا يمكنها تلبية احتياجات هذا العدد المتزايد من الأيتام.


