تمثل أعمال ترميم البيوت في قطاع غزة واقعًا معقدًا لا يقتصر على معالجة آثار الدمار، بل يعكس أزمة اقتصادية متفاقمة في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي وقيود إدخال مواد ومستلزمات الترميم، ما يزيد من صعوبة إعادة تأهيل المنازل والبنية السكنية.
وباتت أعمال الترميم، التي كانت تُعد في السابق حلولًا إسعافية منخفضة التكلفة، تتحول اليوم إلى مشاريع باهظة تقترب في كلفتها من مشاريع الإعمار الشامل.
يقول الخبير في الشأن المالي والاقتصادي أحمد أبو قمر: "إن الأرقام تعكس حجم الأزمة بوضوح، مشيرًا إلى أن تكلفة إنشاء بئر مياه صغير ارتفعت من نحو 3000 دولار قبل الحرب إلى حوالي 15 ألف دولار حاليًا، أي بأكثر من خمسة أضعاف.
وفي المقابل، ارتفع سعر لتر السولار من 6 شواكل إلى نحو 35 شيكل، مع تسجيل فترات وصل فيها إلى 60 و100 شيكل، ما أدى إلى تضاعف تكاليف تشغيل الآليات والمولدات اللازمة لإزالة الركام وتشغيل الخدمات الأساسية.
وأضاف أبو قمر لـ"شمس نيوز" أن "المفارقة تكمن في أن هذه الارتفاعات تأتي رغم الاعتماد على مواد معاد استخدامها، ما يؤدي إلى تراجع الجودة مقابل ارتفاع الكلفة، ويعكس اختلالًا حادًا في السوق نتيجة شح الموارد وقيود الإمداد، بحيث تدفع غزة اليوم كلفة مشاريع كبرى مقابل خدمات محدودة الأثر".
وأشار إلى أن المعادلة القائمة باتت صعبة، بين الحاجة الملحة لاستمرار الخدمات الأساسية من جهة، واستنزاف الموارد المحدودة من جهة أخرى، لافتًا إلى أن تقديرات أولية تشير إلى أن إعادة إعمار غزة قد تتطلب نحو 70 مليار دولار، منها 20 مليار دولار خلال أول عامين فقط لإعادة بناء المساكن والبنية التحتية.
وأكد أبو قمر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم التمويل فقط، بل في استدامته وآليات توظيفه، محذرًا من أنه في حال عدم فتح المعابر ودعم الإنتاج المحلي وإشراك القطاع الخاص، فإن ما يُعرف بـ"التعافي المبكر" قد يتحول إلى حالة دائمة من الحلول المؤقتة مرتفعة الكلفة، بدل أن يكون مدخلًا لإعمار حقيقي ومستدام.
