حين تنتزع قوات الاحتلال الفلسطيني من بيته ليلًا، ثم تقول لعائلته إن ملفه “سري” وإن توقيفه قد يجدَّد مرارًا بلا لائحة اتهام، فنحن أمام جوهر الاعتقال الإداري للفلسطينيين كما يمارَس على الأرض: سلطة اعتقال مفتوحة، تُدار بأوامر عسكرية، وتُسوَّق بغطاء قانوني، بينما حقيقتها أنها أداة استعمارية لإخضاع مجتمع كامل.
هذه السياسة واحدة من أكثر أدوات الاحتلال وضوحًا في كسر الإرادة الفلسطينية. فالمعتقل الإداري لا يحاكَم محاكمة طبيعية، ولا يعرف الأدلة المزعومة ضده، ولا يملك فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه. والأخطر أن المدة نفسها لا تكون نهائية بالمعنى الفعلي، لأن أمر الاعتقال قابل للتجديد مرة بعد أخرى، فيتحول الزمن داخل السجن إلى مساحة مفتوحة على المجهول.
ما هو الاعتقال الإداري للفلسطينيين؟
الاعتقال الإداري هو احتجاز شخص بقرار عسكري أو أمني إسرائيلي من دون توجيه تهمة واضحة، ومن دون تقديم ملف الأدلة للمعتقل أو لمحاميه بذريعة “الملف السري”. في الحالة الفلسطينية، لا يُستخدم هذا الإجراء كاستثناء نادر كما يُروَّج أحيانًا، بل كسياسة ثابتة ومتكررة، تطال شرائح واسعة من المجتمع، من الطلبة إلى الأسرى المحررين، ومن النواب والقيادات السياسية إلى الناشطين والإعلاميين.
الاحتلال يقدّم هذه الأوامر بوصفها تدبيرًا أمنيًا وقائيًا، لكن التجربة الفلسطينية الممتدة تكشف أنها وسيلة مرنة لتجاوز شروط المحاكمة العادلة عندما تعجز الأجهزة عن بناء ملف قضائي قابل للفحص. هنا لا يعود السؤال: هل ارتكب المعتقل فعلًا محددًا؟ بل يصبح السؤال: هل قررت قوات الاحتلال أنه يجب عزله الآن؟ وهذا فارق جوهري بين القانون بوصفه عدالة، والقانون بوصفه أداة سيطرة، وفق الخبراء.
ومن بين 9600 أسير ومعتقل فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي يوجد 3532 معتقلا إداريا، وهي حصيلة كبيرة تؤشر على التعسف الإسرائيلي.
كيف يعمل هذا النظام فعليًا؟
في العادة، يصدر أمر الاعتقال الإداري عن جيش الاحتلال لعدة أشهر، ثم يُعرض على محكمة عسكرية إسرائيلية تستطيع تثبيته أو تقليصه أو إلغاؤه نظريًا. لكن المشكلة أن المحكمة نفسها تعتمد غالبًا على مواد سرية لا يراها الدفاع، ما يجعل المراجعة القضائية محدودة الأثر. من الناحية الشكلية يوجد قاضٍ ومحامٍ وإجراءات، لكن من الناحية الفعلية تبقى كفة القرار الأمني هي الراجحة.
هذا الترتيب يخلق وضعًا شديد القسوة. المعتقل لا يعرف ما الذي يُنسب إليه تحديدًا، ومحاميه يناقش اتهامًا غير مكتمل، والعائلة تعيش بين مواعيد جلسات لا تغيّر كثيرًا من المصير المتوقع. وعندما يقترب موعد الإفراج، يظهر شبح التجديد. هكذا يتحول الانتظار نفسه إلى جزء من العقوبة.
في كثير من الحالات، لا يكون الهدف فقط حرمان شخص من حريته، بل بث رسالة في محيطه: أي نشاط سياسي أو طلابي أو مجتمعي يمكن أن يُقابل بعقوبة غير منظورة السقف. لذلك فإن أثر الاعتقال الإداري يتجاوز الأسير الفرد إلى البنية الاجتماعية التي ينتمي إليها.
لماذا يُعد الاعتقال الإداري للفلسطينيين أخطر من مجرد حبس بلا تهمة؟
الخطورة هنا مركبة. أولًا، لأن الاعتقال بلا تهمة ينزع عن الإنسان حقه الأساسي في معرفة سبب حرمانه من الحرية. وثانيًا، لأن السرية المزعومة تُفرغ حق الدفاع من مضمونه. وثالثًا، لأن قابلية التجديد تجعل المعتقل رهينة تقدير أمني غير محدود تقريبًا.
لكن هناك بعدًا آخر لا يقل أهمية. هذه السياسة تُنتج حالة استنزاف نفسي منظم. الأسير الإداري لا يواجه حكمًا محددًا يمكنه أن يعد أيامه نحوه، بل يواجه احتمالًا دائمًا للتمديد. هذا النمط من اللايقين ليس عرضًا جانبيًا، بل أحد أعمدة الردع المقصود. الاحتلال يعرف أن الغموض يرهق أكثر من الوضوح في كثير من الأحيان.
كذلك فإن الاعتقال الإداري يضرب المجال العام الفلسطيني. عندما يُعتقل صحفي أو طالب جامعي أو ناشط نقابي من دون ملف معلن، لا تتأذى حريته الشخصية فقط، بل تتعرض بيئته كلها لرسالة ترهيب تقول إن الاشتغال في الشأن العام قد يقود إلى سجن مفتوح النهاية. بهذه الطريقة يصبح الاعتقال الإداري جزءًا من هندسة سياسية لضبط المجتمع تحت الاحتلال.

من هم المستهدفون عادة؟
الجواب المختصر: لا فئة محصنة. لكن الملاحظة المتكررة أن هذه الأوامر تُستخدم بكثافة ضد من يُنظر إليهم باعتبارهم أصحاب تأثير تنظيمي أو جماهيري أو رمزي. لذلك نرى استهدافًا متكررًا للأسرى المحررين، والقيادات المحلية، والناشطين في الجامعات، والخطباء، والإعلاميين، وأحيانًا القاصرين أيضًا.
هذا لا يعني أن كل حالة متطابقة مع الأخرى. فهناك من يُعتقل بسبب نشاط سياسي علني، وهناك من يُعتقل في إطار حملات أوسع تستهدف منطقة أو تنظيمًا أو بيئة اجتماعية بعينها. لكن الجامع بين هذه الحالات هو أن المعيار الأمني الفضفاض يحل محل التهمة المحددة. وهذا ما يجعل السياسة قابلة للتوسع كلما أراد الاحتلال توسيع دائرة القمع.
الغطاء القانوني وحدود الرواية الإسرائيلية
الاحتلال يصر على تقديم الاعتقال الإداري كإجراء قانوني تسمح به ظروف استثنائية. غير أن وجود نص أو أمر عسكري لا يمنح الشرعية الأخلاقية أو الحقوقية تلقائيًا. فالقضية ليست في وجود إجراء على الورق، بل في طبيعته واستخدامه وسياقه الاستعماري. عندما تكون الجهة التي تعتقل هي نفسها الجهة التي تحتل الأرض وتدير المحاكم العسكرية وتتحكم بالمعلومات، يصبح الحديث عن توازن قانوني حديثًا مخاتلًا.
حتى في النقاشات الحقوقية الدولية، يبقى جوهر الاعتراض واضحًا: لا يمكن اعتبار الحبس من دون تهمة معلنة ومن دون تمكين فعلي من الدفاع ممارسة عادلة. قد تحاول المؤسسة الإسرائيلية التمييز بين “الأمن” و”العقاب”، لكنها على الأرض تمزج الاثنين بطريقة تجعل الأمن ذريعة دائمة لتجاوز المعايير الأساسية للعدالة.
وهنا تظهر مسألة مهمة. ليس كل استخدام للخطاب القانوني مساويًا للعدالة، وخصوصًا في حالة استعمار استيطاني يستخدم القانون لإدارة السكان الخاضعين له. لهذا يرفض الفلسطينيون اختزال المسألة في نقاش إجرائي ضيق، لأن الاعتقال الإداري جزء من بنية حكم أوسع، لا مجرد قرار فردي معزول.
أثره على الأسرى والعائلات والمجتمع
أشد ما يرهق عائلات المعتقلين الإداريين هو غياب اليقين. الأم لا تعرف هل ابنها سيخرج بعد أشهر أم سيُمدد له. الزوجة لا تستطيع ترتيب حياة مستقرة على موعد قابل للانهيار بجلسة واحدة. الأطفال يعتادون على فكرة أن الغياب قد يطول بلا تفسير مفهوم. في هذه المساحة، يصبح القلق نفسه عقوبة جماعية.
أما الأسير، فيعيش معركة مزدوجة. هناك السجن بشروطه القاسية، وهناك الإحساس المستمر بأن الطريق القانونية شبه مغلقة لأن الملف مخفي. لهذا يلجأ كثير من المعتقلين الإداريين إلى الإضراب عن الطعام بوصفه أداة انتزاع أخيرة، رغم ما تحمله من مخاطر صحية جسيمة. الإضراب هنا ليس فعلًا رمزيًا فقط، بل صرخة ضد بنية كاملة تسلب الإنسان حتى حقه في معرفة سبب سجنه.
المجتمع الفلسطيني بدوره يدفع الثمن. فعندما تتكرر الاعتقالات الإدارية في بلدة أو جامعة أو مخيم، تتعرض الحياة العامة كلها للاهتزاز. المبادرات تتباطأ، والقيادات الشابة تُستنزف، والعائلات تُدفع إلى دوائر من المتابعة القانونية والمالية والنفسية. هكذا يخدم الاعتقال الإداري وظيفة أوسع من الحبس الفردي: تعطيل الحيوية الوطنية.
ولمحاولة كسر سياسة الاعتقال الإداري خاض العديد من المعتقلين الفلسطينيين إضرابات فردية وجماعية طويلة ومؤلمة احتجاجاً على سياسة الاعتقال الإداري (الاعتقال دون تهمة أو محاكمة) التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي.
فيما يلي أبرز هؤلاء الأسرى:
خضر عدنان (مفجر معركة الأمعاء الخاوية): يعتبر أبرز من خاض إضرابات فردية ضد الاعتقال الإداري، حيث خاض 6 إضرابات، أبرزها في 2012 و2015، وقد ارتقى شهيداً داخل السجن في مايو 2023 بعد 86 يوماً من الإضراب.
سامر العيساوي: خاض واحداً من أطول الإضرابات عن الطعام في تاريخ الحركة الأسيرة عام 2013، واستمر لمدة 265 يوماً احتجاجاً على إعادة اعتقاله بعد تحرره في صفقة “وفاء الأحرار”.
محمد القيق: صحفي خاض إضراباً مفتوحاً عن الطعام لأكثر من 90 يوماً في عامي 2015-2016 رفضاً لاعتقاله الإداري، وأضرب مرة أخرى لاحقاً.
ماهر الأخرس: خاض إضراباً استمر لأكثر من 100 يوم في عام 2020، والذي انتهى بعد تدهور حالته الصحية والاتفاق على عدم تجديد اعتقاله الإداري.
كايد الفسفوس: أحد أبرز الأسرى الذين خاضوا إضرابات طويلة ومتكررة ضد الاعتقال الإداري، وكان من بينهم في عام 2023.
أيمن اطبيش: خاض عدة إضرابات فردية طويلة احتجاجاً على اعتقاله الإداري المتكرر.
أسرى إضراب عام 2012: شارك آلاف الأسرى في إضراب جماعي أطلق عليه “إضراب الكرامة” احتجاجاً على العزل الانفرادي والاعتقال الإداري، انتهى باتفاق برعاية مصرية.
إضراب نيسان 2017 (“إضراب الحرية والكرامة“): شارك فيه مئات الأسرى للمطالبة بإنهاء العزل وتحسين الرعاية الطبية وإنهاء سياسة الاعتقال الإداري
لماذا تتجدد المواجهة حول هذه السياسة باستمرار؟
لأنها تمس جوهر القضية الفلسطينية: من يملك تعريف القانون، ومن يُعامل كإنسان صاحب حقوق، ومن يُدار باعتباره خطرًا دائمًا. كلما تصاعدت حملات الاعتقال الإداري، يعود النقاش إلى هذه النقطة الأساسية. الفلسطيني لا يواجه مجرد جهاز أمني، بل منظومة ترى في وجوده السياسي احتمالًا يجب احتواؤه.
في هذا السياق، تتخذ معارك الأسرى ضد الاعتقال الإداري معنى يتجاوز ملفاتهم الفردية. كل مواجهة قانونية، وكل إضراب، وكل حملة تضامن، تكشف التناقض بين خطاب “سيادة القانون” وبين واقع الحبس المفتوح بلا محاكمة عادلة. ومن هنا تأتي حساسية هذا الملف في الوعي الفلسطيني، لأنه يفضح كيف يُستخدم القانون أحيانًا لتجميل القمع لا لردعه.
ومن يتابع هذا الملف يدرك أن التعامل معه يحتاج دقة أيضًا. فليست كل حالة تحظى بالاهتمام نفسه، وليس الضغط الحقوقي وحده كافيًا دائمًا، كما أن الأثر الإعلامي قد يختلف من أسير إلى آخر بحسب التوقيت والسياق السياسي. لكن هذا لا يغير الحقيقة المركزية: استمرار الاعتقال الإداري بهذا الاتساع يعني استمرار سياسة عقاب واستنزاف جماعي تحت لافتة إجرائية.
ما الذي يجب تثبيته في الوعي العام؟
أول ما يجب تثبيته أن المعتقل الإداري ليس “موقوفًا للتحقيق” بالمعنى العابر، بل أسير محتجز من دون محاكمة عادلة. وثانيه أن السرية هنا ليست تفصيلًا تقنيًا بل قلب المشكلة. وثالثه أن تجديد الأوامر يحول الإجراء المؤقت إلى سجن قابل للاستمرار إلى أجل غير معلوم.
كما يجب رفض اللغة التي تساوي بين رواية الجلاد والضحية. الحديث عن “شبهات أمنية” من دون فحص طبيعة النظام الذي ينتجها يساهم في تبييض القمع. ومن مسؤولية المنابر الفلسطينية، ومنها ما راكمته منصات متخصصة مثل المركز الفلسطيني للإعلام عبر سنوات طويلة من المتابعة، أن تبقي ملف الأسرى في صدارة السردية الوطنية لا على هامشها.
الاعتقال الإداري للفلسطينيين ليس استثناءً طارئًا، بل سياسة إسرائيلية متعمدة لإدارة شعب تحت الاحتلال بأقل قدر ممكن من المساءلة. ولذلك فإن مقاومته تبدأ من التسمية الدقيقة، ومن كشف بنيته، ومن عدم السماح بتحويل الظلم المتكرر إلى مشهد مألوف. وما دام الأسير يُحتجز بلا تهمة واضحة وبلا أفق زمني ثابت، فالكلمة المطلوبة ليست التعاطف فقط، بل اليقظة الدائمة التي ترفض أن يصبح القمع خبرًا عابرًا.
