رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر ونصف على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، التوصل إلى تفاهمات لبدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تزال حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو تماطل في تنفيذ استحقاقات الاتفاق، وسط تصعيد عسكري متواصل وتوسّع ميداني داخل القطاع.
فبدلًا من الانتقال إلى المرحلة الثانية التي يُفترض أن تتضمن انسحابًا إسرائيليًا أوسع، وفتح المعابر، وإطلاق عملية إعادة إعمار غزة، اختارت حكومة الاحتلال تثبيت واقع ميداني جديد قائم على توسيع السيطرة العسكرية وتعميق الأزمة الإنسانية، في خطوة يرى مراقبون أنها ترتبط بحسابات سياسية داخلية أكثر من ارتباطها بالاعتبارات الأمنية.
المرحلة الثانية.. الاستحقاق الذي تخشاه حكومة نتنياهو
بحسب بنود الاتفاق، كان من المفترض أن تبدأ المرحلة الثانية بعد تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، والتي تشمل وقفًا فعليًا لإطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، والانسحاب التدريجي من مناطق داخل القطاع.
إلا أن إسرائيل لم تلتزم فعليًا بهذه البنود، إذ واصلت عمليات القصف والاستهداف، وأبقت المعابر تحت قيود مشددة، كما وسعت ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل غزة، مانعة مئات آلاف الفلسطينيين من العودة إلى أراضيهم.
ويرى مختصون أن السبب الرئيسي وراء تعطيل المرحلة الثانية يتمثل في أنها تفرض على حكومة نتنياهو استحقاقات لا ترغب بتنفيذها، وفي مقدمتها الانسحاب من قطاع غزة وبدء إعادة الإعمار، وهو ما تعتبره الحكومة الإسرائيلية تراجعًا سياسيًا وعسكريًا بعد أشهر طويلة من الحرب.
المختص في الشأن الإسرائيلي عاهد فروانة أكد أن حكومة الاحتلال تسعى إلى إدامة حالة التوتر والتصعيد في غزة، بهدف إبقاء المرحلة الأولى قائمة دون الانتقال إلى المرحلة التالية.
وقال فروانة في تصريح لـ"شمس نيوز": "إن حكومة نتنياهو تستخدم ملف سلاح المقاومة الفلسطينية كذريعة سياسية لتبرير عدم الالتزام بالاتفاق، رغم أن التفاهمات الأصلية كانت تنص على ترتيبات مختلفة مرتبطة بالانسحاب ووقف الحرب".
ويضيف أن استمرار التصعيد يمنح حكومة الاحتلال هامشًا أوسع لمواصلة العمليات العسكرية دون دفع أثمان سياسية داخلية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل.
نتنياهو وأزمة البقاء السياسي
ويرى أن حسابات نتنياهو الداخلية تلعب دورًا أساسيًا في تعطيل الاتفاق، إذ يواجه ضغوطًا سياسية متزايدة وتراجعًا في شعبيته، بعد إخفاق حكومته في تحقيق أهداف واضحة في غزة، إضافة إلى تعثر رهاناته الإقليمية في ملفات لبنان وإيران.
ويعتقد فروانة أن نتنياهو يحاول إبقاء الحرب مفتوحة باعتبارها وسيلة للهروب من أزماته السياسية والقضائية، ومنع انهيار ائتلافه الحكومي، خاصة أن أي انتقال فعلي نحو التهدئة قد يفتح الباب أمام مساءلات داخلية تتعلق بنتائج الحرب.
وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن إنهاء الحرب دون تحقيق ما تسميه إسرائيل "القضاء الكامل على حماس" سيُنظر إليه داخل المجتمع الإسرائيلي باعتباره فشلًا سياسيًا وعسكريًا لحكومة نتنياهو.
نزع السلاح.. شرط سياسي أم بوابة للفوضى؟
تربط إسرائيل بدء المرحلة الثانية بملف نزع سلاح حركة حماس، في حين تؤكد الحركة تمسكها بسلاحها باعتباره "حقًا مشروعًا للمقاومة"، مع إبداء انفتاحها على أي مقترحات تضمن إقامة دولة فلسطينية.
لكن الباحث المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد يرى أن طرح نزع السلاح لا يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية، بل يندرج ضمن رؤية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تفريغ قطاع غزة من أي قوة منظمة، بما يفتح المجال أمام حالة من الفوضى الداخلية والسيطرة الأمنية طويلة الأمد.
الخط الأصفر والخط البرتقالي.. خرائط جديدة للاحتلال
ميدانيًا، تشير التطورات الأخيرة إلى أن إسرائيل لا تتجه نحو الانسحاب، بل نحو تكريس احتلال أوسع داخل القطاع.
ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه تنفيذ انسحابات إضافية ضمن المرحلة الثانية، كشفت تقارير عن توسيع الاحتلال لما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، إلى جانب إنشاء "الخط البرتقالي"، ما أدى فعليًا إلى تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين داخل غزة.
وبحسب المعطيات، فإن الخط الأصفر وضع نحو 53% من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، بينما أضاف الخط البرتقالي ما يقارب 11% أخرى، ليصبح الفلسطينيون محصورين فعليًا داخل نحو 36% فقط من مساحة غزة.
وترى جهات حقوقية وأممية أن هذه الإجراءات تعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جغرافية جديدة قد تتحول إلى أمر واقع دائم، خاصة في ظل استمرار التوسع العسكري ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم.
إعمار مؤجل ودمار هائل
تعطيل المرحلة الثانية لا يعني فقط استمرار الحرب، بل أيضًا تجميد ملف إعادة الإعمار بالكامل، فوفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن الحرب الإسرائيلية دمّرت نحو 90% من البنية التحتية المدنية في قطاع غزة، فيما تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 71 مليار دولار.
كما تشير البيانات إلى وجود نحو 61 مليون طن من الركام في القطاع، لم يُرفع منها سوى جزء محدود جدًا بسبب نقص الإمكانيات، والمخاطر المرتبطة بوجود ذخائر غير منفجرة.
ويرى مراقبون أن تعطيل الإعمار يخدم الرؤية الإسرائيلية القائمة على إبقاء غزة في حالة إنهاك اقتصادي وإنساني طويل الأمد، بما يمنع استعادة الاستقرار أو إعادة بناء الحياة الطبيعية.
غزة بين الحرب والسياسة
في ظل هذه المعطيات، تبدو المرحلة الثانية من الاتفاق أكثر من مجرد خطوة إجرائية، بل اختبارًا سياسيًا حقيقيًا لحكومة نتنياهو.
فبينما يطالب الوسطاء بوقف الحرب والانتقال إلى ترتيبات أكثر استقرارًا، تواصل إسرائيل سياسة المراوحة بين التصعيد العسكري والمماطلة السياسية، في محاولة لفرض شروط جديدة على الأرض.
لكن مع استمرار التوتر، واتساع رقعة الدمار، وتعثر الاتفاق، يبقى السؤال الأبرز: هل "تخشى حكومة نتنياهو فعلًا من المرحلة الثانية لأنها تعني نهاية الحرب، أم لأنها قد تعني أيضًا بداية نهاية نتنياهو سياسيًا؟
