غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"أصوات تحت التهديد".. شهادات مؤلمة لصحفيين من غزة والضفة

ورشة عمل
شمس نيوز - متابعة خاصة

نظم الائتلاف المدني لحماية حرية التعبير والحقوق الرقمية في فلسطين، والمركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى"، بالتعاون مع مؤسسة فلسطينيات اليوم الاثنين ورشة عمل تحت عنوان: "أصوات تحت التهديد: شهادات حية حول انتهاكات حرية الصحافة".

وجاءت الورشة على هامش فعاليات اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يصادف الثالث من مايو من كل عام، بمشاركة واسعة من الصحفيين والصحفيات الفلسطينيات سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية المحتلة.

في حين حذرت تقارير حقوقية وإعلامية من تراجع خطير في واقع حرية الصحافة عالميًا، في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين وتزايد السياسات التي تجرّم العمل الإعلامي، مؤكدة أن ما جرى في قطاع غزة شكّل تحولًا غير مسبوق في تاريخ الصراعات العسكرية الحديثة.

وأشار مختصون في الشأن الإعلامي إلى أن أكثر من 52% من دول العالم تشهد مستويات متدنية من حرية الصحافة، في ظل ما وصفوه بحالة "الانحدار والانهيار" التي تطال مختلف أركان العمل الصحفي حول العالم.

وأكدت التقارير أن من أبرز مظاهر هذا التراجع تصاعد النزعات الرسمية والسياسية التي تتعامل مع العمل الصحفي باعتباره نشاطًا يستوجب الملاحقة والتجريم، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على أوضاع الصحفيين الفلسطينيين، لا سيما في قطاع غزة.

وفي هذا السياق، أوضحت التقارير أن الحرب على غزة شهدت للمرة الأولى تحول الصحفيين إلى "أهداف عسكرية مباشرة"، وسط اتهامات للاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ عمليات استهداف ممنهجة بحق الطواقم الصحفية.

كما رصدت مؤسسات محلية ودولية حملات تحريض منظمة ضد الصحفيين الفلسطينيين، اعتُبرت دليلًا على أن استهدافهم لم يكن عشوائيًا، بل جاء ضمن سياسة تهدف إلى القتل والترهيب والتهجير ومنع نقل الحقيقة إلى العالم.

ولفتت التقارير إلى أن تداعيات ما جرى في غزة لم تقتصر على فلسطين، بل انعكست على واقع حرية الصحافة عالميًا، حيث تصاعدت أساليب القمع والتضييق ضد الصحفيين في عدة مناطق، إلى جانب انتشار خطاب يستهدف الإعلاميين ويحدّ من قدرتهم على أداء عملهم بحرية.

وأكدت أن استمرار استهداف الصحفيين وغياب المساءلة الدولية يشكلان تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير وحق الشعوب في الوصول إلى المعلومات، داعية إلى تحرك دولي جاد لحماية الصحفيين وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.

 

شهادة الصحفي محمد أبو دان

من جهته روى الصحفي محمد أبو دان تفاصيل قاسية عاشها خلال تغطيته الميدانية لحرب الإبادة على قطاع غزة، مؤكدًا أن العمل الصحفي خلال الحرب لم يكن مجرد نقل للأحداث، بل معركة يومية للبقاء وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.

وقال أبو دان في مداخلته خلال الورشة: "إن الأيام العشرة الأولى من الحرب شهدت استمرار العمل الصحفي بشكل شبه طبيعي مع توفر الكهرباء والإنترنت ووجود بدائل محدودة للتواصل، إلا أن الأوضاع تغيّرت بشكل كامل بعد انقطاع الاتصالات والإنترنت، ما أدى إلى فقدان التواصل مع المؤسسات الإعلامية لأكثر من شهر.

وأوضح أن الصحفيين اضطروا للعمل في ظروف بالغة الصعوبة، مشيرًا إلى أنهم كانوا يصعدون إلى سطح المستشفى الإندونيسي للحصول على الكهرباء والانترنت الهوائي وإرسال المواد الصحفية ونقل صورة ما يجري في القطاع.

وأشار إلى أن استهداف الاحتلال للبنية التحتية تسبب بخسارة معظم المعدات الصحفية، في ظل إغلاق المعابر ومنع إدخال المعدات الجديدة إلى غزة، ما ضاعف معاناة الصحفيين، إلى جانب صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وأمان شخصي للعائلة.

وعن أصعب المشاهد التي عاشها قال: "النزوح خاصة وأن التنقل بين مناطق النزوح يعني أن تبدأ الصفر في كل مرة، موضحًا أن كل نزوح كان يعني فقدان كل شيء وإعادة بناء الحياة من جديد.

وبيّن أن واحدة من أقسى التجارب التي عاشها تمثلت في تأسيس عائلته خلال الحرب، إذ كان يستعد للزواج قبل اندلاعها، لكنه وجد نفسه أمام مسؤوليات مضاعفة تتعلق بتوفير الطعام والدواء لزوجته، مؤكدًا أنه كان يتنقل من شمال القطاع إلى جنوبه بحثًا عن الأدوية دون جدوى.

كما تحدث عن اللحظات الصعبة التي رافقت ولادة طفله في ظل الحرب، واصفًا رحلة الوصول إلى فترة الميلاد بأنها "قاسية جدًا"، مؤكدًا أن كل المهام الصحفية والإنسانية بدت بلا قيمة أمام الخوف على الأسرة وتأمين سلامتها.

وأكد أبو دان، الذي يعمل في الصحافة الميدانية والإعلام الرقمي منذ عام 2019، أن التحدي الأصعب كان تحقيق التوازن بين الواجب المهني والحياة الشخصية، في ظل الرعب المستمر والحصار المتكرر، خاصة أنه كان يقيم في مناطق قريبة من تمركز قوات الاحتلال في جباليا وغزة.

وأشار إلى أنه فقد العديد من المعدات وأدوات الحماية والسلامة خلال التنقل والحصار، بما في ذلك الدرع الصحفي الذي حصل عليه بعد رحلة شاقة.

 

الصحفية الأم ربا العجرمي

ومن جانبه قالت الصحفية ربا العجرمي "إن الصحفيين في قطاع غزة تعرضوا خلال الحرب لـ"إبادة مضاعفة"، مؤكدّة أنهم لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل عاشوا تفاصيل المأساة بكل ما تحمله من خوف وصدمات ونزوح وفقدان للأمان.

وأوضحت العجرمي أن الطواقم الصحفية كانت تتحرك باستمرار نحو "الخبر والخطر" لتوثيق الشهداء والجرحى والمفقودين والعالقين تحت الأنقاض، مشيرة إلى أن الصحفيين عايشوا بشكل يومي مشاهد القصف والدمار والصدمات النفسية التي خلّفتها الحرب.

وأضافت: "منذ الساعة الأولى كنت على الهواء مباشرة، أتنقل بين مواقع الاستهداف والقصف، وكنا نعيش الحدث كصحفيين وكجزء من الحالة الإنسانية في الوقت نفسه، ما جعل المعاناة مزدوجة".

وبيّنت العجرمي، وهي أم لأربعة أطفال أصغرهم رضيعة تبلغ ثلاثة أشهر عند اندلاع الحرب، أنها اضطرت للتوجه إلى التغطية الميدانية منذ اليوم الأول، فيما كانت طفلتها ترافقها أحيانًا إلى المكتب، ظنًا منهم أن المكاتب الصحفية ستكون أكثر أمانًا، قبل أن تتعرض تلك المقرات للاستهداف بعد أيام قليلة من بدء الحرب.

وأكدت أن الصحفيات الأمهات واجهن ظروفًا قاسية للغاية، بين متطلبات العمل الصحفي والخوف المستمر على الأطفال، موضحة أنها كانت تغادر خيمة النزوح يوميًا وهي تخشى ألا تعود لاحتضان أطفالها مجددًا، مضيفة: "كنت أطلب من زوجي أو والدتي أن يحتضنوا أطفالي قبل خروجي، خوفًا من ألا يجدوا حضنًا".

وأشارت إلى أن نقص الاحتياجات الأساسية والأدوية فاقم من معاناة العائلات والصحفيين، لافتة إلى أنها كانت تضطر خلال البث المباشر إلى رعاية أطفالها وعمل الكمادات لهم بسبب المرض داخل سيارة البث، في ظل انعدام المكان والأدوية حتى البسيطة منها.

كما تحدثت عن المجاعة وصعوبة تأمين الطعام، موضحة أنها كانت تجري اتصالات بين بث وآخر للبحث عن كيس طحين أو رغيف خبز، مؤكدة أن الصحفيين عاشوا الظروف نفسها التي ينقلونها عن المواطنين.

وقالت العجرمي "إن الإيمان كان العامل الأساسي للصمود في وجه الصدمات المتواصلة والنزوح المتكرر والحياة داخل الخيام، مضيفة أن كثيرًا من الصحفيين وصلوا إلى مراحل نفسية صعبة نتيجة ما عاشوه من أهوال الحرب.

وانتقدت تخلي الصحافة الدولية عن الصحفيين الفلسطينيين في غزة، مشيرة إلى أن معظم الصحفيين الأجانب غادروا القطاع منذ الأيام الأولى للحرب، بينما بقي الصحفي الغزي بإرادته لينقل الحقيقة للعالم.

وأكدت أن الصحفيين في غزة لم يطالبوا سوى بحقهم في الحياة الكريمة والأمان لأطفالهم، مشددة على أن كل صحفي استمر في الميدان حتى اللحظة الأخيرة "بحاجة إلى دعم نفسي كبير".

وختمت العجرمي حديثها بالقول إن المواطنين كانوا يساندون الصحفيين رغم معاناتهم، من خلال تقديم المساعدة البسيطة كالشاي والقهوة أو توفير مقاعد في الشوارع، مؤكدة أن الصحفيين في غزة كانوا "حراسًا حقيقيين للحقيقة" رغم كل ما تعرضوا له من مخاطر ومعاناة.

 

شهادة الصحفي معاذ عمارنة من الضفة الغربية

أكد الصحفي الفلسطيني معاذ عمارنة، من الضفة الغربية، أن الصحفيين الفلسطينيين يواصلون أداء رسالتهم رغم الانتهاكات والضغوط المتواصلة التي يتعرضون لها، مشددًا على أن نقل معاناة الفلسطينيين للعالم بات مسؤولية يومية محفوفة بالمخاطر.

وروى عمارنة تفاصيل مؤلمة وثّقها مؤخرًا خلال تغطيته لاقتحام قوات الاحتلال منزل عائلته واعتقال ابنة عمه إسلام عمارنة، مشيرًا إلى أن طفلتها البالغة من العمر خمس سنوات تُركت وحيدة داخل المنزل، في ظل اعتقال زوج إسلام وعدد من أفراد العائلة.

وقال إن أكثر ما أثّر فيه كان رواية الطفلة للحظة استيقاظها من النوم لتجد جنود الاحتلال داخل المنزل، مشيرًا إلى أن حلمها البسيط كان رؤية والدها المعتقل، لكنه تحول إلى مشهد اقتحام وخوف عاشته في سن مبكرة.

وأضاف عمارنة أنه لم يستطع أحيانًا رفع الكاميرا لتصوير بعض المشاهد بسبب قسوتها الإنسانية، مؤكدًا أن الصحفي الفلسطيني يعيش حالة مستمرة من الضغط النفسي والخوف نتيجة ما يشهده يوميًا من انتهاكات.

وأشار إلى أنه خاض أكثر من تجربة اعتقال وتحقيق بسبب عمله الصحفي، موضحًا أن أحد التحقيقات تمحور حول منشورات وصور قام بتوثيقها خلال الحرب، فيما كانت “التهمة الأساسية” بالنسبة له هي العمل في مجال الإعلام.

وقال: “إذا لم أوثق انتهاكات الاحتلال، فما الذي سأعمل عليه كصحفي فلسطيني؟ كيف سأنقل معاناة الناس؟”، مؤكدًا أن الانتهاكات والاعتقالات لم تمنعه من مواصلة نقل صوت الفلسطينيين إلى العالم.

وأوضح عمارنة أن غياب الدعم الحقيقي للصحفيين يزيد من صعوبة عملهم، لافتًا إلى أن عائلته تعيش حالة خوف دائمة عليه، خصوصًا عند تنقله أو خروجه لتغطية الأحداث، بسبب احتمالية تعرضه للاعتقال أو الاستهداف.

وأضاف أن والدته وزوجته وأطفاله يطالبونه باستمرار بالبقاء إلى جانبهم خوفًا من ألا يعود، في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين.

ودعا عمارنة المؤسسات الإعلامية والحقوقية إلى توفير الدعم والمساندة للصحفي الفلسطيني، حتى يتمكن من مواصلة عمله ونقل معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم، مؤكدًا أن الصحافة الفلسطينية تواصل أداء دورها رغم كل التحديات والمخاطر.

 

شهادة الصحفية دينا جرادات

روت الصحفية الفلسطينية دينا جرادات تفاصيل إصابتها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء قيامها بتغطية ميدانية، مؤكدة أن الحادثة تركت آثارًا جسدية ونفسية عميقة ما تزال ترافقها حتى اليوم.

وقالت جرادات إنها أُصيبت برصاصة في ذراعها خلال أداء عملها الصحفي، ما أدى إلى سقوطها مباشرة على الأرض، رغم ارتدائها الدرع الصحفي أثناء التغطية.

وأضافت أنها نُقلت إلى المستشفى حيث تبين تعرضها لقصر في اليد، إلى جانب إصابتها بشظايا زجاج استقرت في منطقة الفخذ، الأمر الذي أثر على حركتها وحياتها اليومية لفترة طويلة.

وأشارت جرادات إلى أن اللحظات التي أعقبت إصابتها كانت شديدة الصعوبة، إذ راودها الخوف من الاستشهاد أو التعرض للاعتقال مجددًا، خاصة أنها معتقلة سابقة أمضت خمسة أشهر في سجون الاحتلال عندما كانت طالبة في جامعة القدس المفتوحة.

وأكدت أن تجربة الإصابة والاعتقال تركت آثارًا نفسية كبيرة عليها، موضحة أن ما عاشته يمثل “جزءًا بسيطًا” من معاناة الصحفي الفلسطيني الذي يواجه بشكل يومي مخاطر الاستهداف والاعتقال خلال أداء رسالته المهنية.

وشددت جرادات على أن الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين لا تقتصر على الإصابات الجسدية فقط، بل تمتد لتؤثر على حياتهم النفسية والاجتماعية بشكل عميق، في ظل استمرار الاستهداف والتضييق على العمل الصحفي الفلسطيني.

تطبيق راقب

وفي ختام الورشة أطلق المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية مدى، تطبيق راقب لتمكين الصحفيين والصحفيات من توثيق الانتهاكات التي يتعرضون لها في غزة والضفة، ما يشمل السرية التامة في التبليغ عن الانتهاكات.