بعدما بدأت الحرب على إيران برهانات كبرى على الحسم المتمثّل بإسقاط النظام الإيراني، وفي أسوأ الأحوال دفعه إلى تفكيك ركائز قوته النووية والصاروخية، تبدو الخيارات المطروحة الآن أمام واشنطن جميعها بعيدة عن تلك الأهداف، إلى حدّ بات يبدو معه وكأنّ الهدف الرئيس للحرب هو إعادة فتح مضيق هرمز. وسواءٌ تمّ التوصّل إلى اتفاق لا يلبّي الشروط الأميركية الأصلية، أو استمرّ الوضع القائم بما يحمله من ضغوط متبادلة، أو حتى عاد الطرفان إلى مسار الحرب، فإن القاسم المشترك بين كلّ هذه السيناريوات هو شيء واحد: العجز عن فرض تغيير جوهري في سلوك إيران أو بنيتها الاستراتيجية.
وإذ انطلقت الحملة على إيران من افتراض مفاده أن الأخيرة، تحت ضغط مُركّب من العقوبات والتصعيد العسكري والتهديد السياسي، يمكن أن تُدفع إلى تغيير سلوكها أو حتى إعادة تعريف نفسها، فإن هذه الفرضية سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف تماماً، إذ إن الضغوط تحوّلت، بالنسبة إلى طهران، إلى جزء من بيئة استراتيجية طويلة الأمد، وهذا ما لم يدركه الأميركيون الذين يعانون قصوراً في فهم طبيعة الخصم وثقافته والمنطق الذي يحكم سلوكه وحقيقة الموقف الشعبي منه. وهكذا، وبدلاً من أن تُنتِج أدوات الضغط تحوّلاً في السلوك، أصبحت جزءاً من المعادلة التي تديرها طهران، والتي تجمع بين الصبر الاستراتيجي، وتحمّل الكلفة، وإدارة الصراع انطلاقاً من رؤية استراتيجية تتمحور حول ثوابت عقائدية وسياسية.
وحتى في ذروة التصعيد، لم يَظهر ما يدلّ على استعداد إيراني للتخلّي عن الثوابت؛ فالبرنامج النووي بقي ضمن منطق «الحق السيادي»، والتخصيب ظَلّ خطاً أحمر مرتبطاً بالهوية السياسية للنظام. أمّا القدرات الصاروخية، فاستمرّت عنصراً مركزياً في معادلة الردع، فيما لم تؤدِّ الحرب إلى تفكيكها أو تقليصها بشكل حاسم. لا بل إن التقديرات الاستخباراتية الأميركية، وفق ما نُقل في «واشنطن بوست»، تشير إلى أن إيران لا تزال تحتفظ بترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المُسيّرة، ما يعني أن أحد الأهداف الأساسية للحرب لم يتحقّق. وعليه، باتت الإشكالية الرئيسة أمام الولايات المتحدة، هي: «كيف نمنع إيران من الوصول إلى عتبة إنتاج السلاح النووي في مدى قريب، حتى لو لم تُرِد هي إنتاجه؟»، في ما يعكس إدراكاً متأخراً بأن الصراع لا يمكن حسمه ضمن الشروط التي انطلق بها. في ضوء هذا الواقع، تتبلور ثلاثة سيناريوات رئيسة، ليس من شأن أيّ منها تحقيق أهداف الحرب، بقدر ما تعكس جميعها انتقالاً من السعي للحسم إلى إدارة المخاطر، منعاً لتحوّل المأزق إلى سيناريو كارثي:
أوّلاً، سيناريو الاتفاق الجزئي الذي يفرض قيوداً محدّدة على البرنامج النووي من دون تفكيكه فعلياً، وهو ما يترك لإيران هامش مناورة واسعاً، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية عبر تخفيف الضغوط وتكريس مبدأ التخصيب، مع احتمال إعادة إدخال نقاط توتر استراتيجية كمضيق هرمز إلى ساحة الواجهة.
ثانياً، استمرار حالة «اللاحسم المُدار»، حيث تستمرّ الضغوط المتبادلة من دون انفجار شامل، مع مواصلة إيران تطوير قدراتها، لكنّ الأفق الزمني لهذا الخيار يبقى محدوداً، وذلك نتيجة مفاعيله الخطرة على الطرفين، وخصوصاً منها الاقتصادية.
ثالثاً: العودة إلى خيار الحرب، الذي كان أثبت محدودية جدواه؛ إذ لم يدفع إيران إلى تغيير ثوابتها، فيما يجعل ارتفاع كلفته واحتمال توسّعه تكراره أكثر خطورة وأقلّ احتمالاً لتحقيق نتائج مختلفة.
إزاء ذلك، تتقدّم مخاوف إسرائيل التي بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية على فرضية إمكانية تغيير البيئة الاستراتيجية - سواءٌ عبر إسقاط النظام في إيران أو احتوائه أو إضعافه -، فيما تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، إذ إن إسقاط النظام يبدو أبعد من أيّ وقت مضى، في حين أن تقييده بشكل حاسم لم يعُد خياراً مُتاحاً ضمن الأدوات الحالية. وفي المقابل، فإن كلّ السيناريوات المتبادلة تحمل مخاطر مباشرة على الأمن القومي الإسرائيلي؛ فالاتفاق غير الكافي يعني بقاء إيران على عتبة نووية، مع موارد اقتصادية أفضل، وقدرة على إعادة بناء نفوذها الإقليمي. واستمرار الوضع القائم يعادل بيئة غير مستقرة، مع تقدّم تدريجي في البرنامج النووي وتراكم في القدرات الصاروخية. وأمّا العودة إلى الحرب، فستجرّ احتمال فتح جبهات متعدّدة، وتعرّض العمق الإسرائيلي لضغوط غير مسبوقة. وهنا، لا تتعلّق المخاوف بالتهديد المباشر فقط، بل أيضاً بتآكل القدرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية. فبدل بيئة إقليمية أكثر خضوعاً، يظهر واقع أكثر تعقيداً، تتداخل فيه القوى، وتتراجع قدرة الفاعلين على فرض نتائج حاسمة.
المصدر: الأخبار اللبنانية
