اتفق محللان سياسيان على أن النقاش الإسرائيلي المتصاعد حول إلغاء اتفاقية أوسلو لا يمكن فهمه كتحول مفاجئ أو قرار سياسي آني، بل كامتداد لمسار طويل من التفريغ التدريجي للاتفاق، وصولًا إلى محاولة تحويل هذا التفريغ إلى خطوة قانونية وتشريعية رسمية.
ويشير المحللان إلى أن خطاب اليمين الإسرائيلي، وخاصة تصريحات بتسلئيل سموتريتش، يعكس انتقالًا من مرحلة إدارة الوضع القائم إلى مرحلة السعي لإعادة تعريفه بالكامل، عبر إنهاء أي إطار سياسي يربط الضفة الغربية بمسار التسوية أو فكرة الدولة الفلسطينية، واستبداله بمنطق السيادة الإسرائيلية المباشرة أو الضم غير المعلن.
ويؤكد التحليل أن الطرح المتداول داخل الكنيست بشأن إلغاء أوسلو واتفاقيات مرافقة له لا يندرج فقط ضمن السجال السياسي، بل يعبر عن محاولة لإضفاء طابع قانوني على موقف أيديولوجي، بما يسمح بتحويله من خطاب سياسي قابل للتبدل إلى بنية تشريعية داخل النظام الإسرائيلي.
اوسلوا انتهت عملياً
يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل ياسين أن الحديث المتداول عن نية إسرائيل مناقشة اقتراح يقضي بإلغاء اتفاقية أوسلو لا يمكن فصله عن التحولات البنيوية العميقة في السياسات الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، والتي تُظهر – بحسب تقديره – أن الاتفاقية “تتعرض للتفريغ العملي منذ سنوات”، حتى قبل أي نقاش رسمي بشأن إنهائها.
ويشير ياسين في حواره مع (شمس نيوز) إلى أن ما يجري على الأرض في الضفة الغربية يعكس، من وجهة نظره، مسارًا تراكميًا من التآكل في جوهر أوسلو، مستندًا إلى توسع استيطاني كبير، وتغيرات ميدانية مستمرة، ومحاولات لإعادة صياغة الواقع الإداري والجغرافي في مناطق الضفة، بما يشمل إعادة تفعيل مستوطنات أُخليت سابقًا ضمن الاتفاقات.
وفي هذا السياق، يعتبر أن التصريحات الإسرائيلية المتكررة حول رفض إقامة دولة فلسطينية مستقلة، إلى جانب التوسع الاستيطاني المتسارع، تشير إلى انتقال السياسة الإسرائيلية من إدارة الصراع إلى “فرض وقائع دائمة على الأرض”، وهو ما يضعف – برأيه – الأسس السياسية التي قامت عليها اتفاقية أوسلو.
المختص ياسين: ما يجري على الأرض في الضفة الغربية يعكس، من وجهة نظره، مسارًا تراكميًا من التآكل في جوهر أوسلو
كما يلفت إلى أن النقاشات الداخلية الإسرائيلية حول إعادة ترتيب التصنيفات الإدارية في الضفة (أ، ب، ج) أو تقليصها أو تجاوزها عمليًا، تأتي ضمن سياق أوسع لإعادة هندسة السيطرة الميدانية، بالتوازي مع خطط تهدف إلى زيادة أعداد المستوطنين خلال السنوات المقبلة، في إطار تنسيق بين المستويين السياسي والأمني داخل إسرائيل.
أما بشأن السلطة الفلسطينية، فيرى ياسين أن أي تحرك إسرائيلي باتجاه إلغاء أوسلو – حتى وإن كان جزئيًا أو سياسيًا في المرحلة الحالية – يضع السلطة أمام اختبار وجودي، لأنها نشأت في الأساس كنتاج مباشر للاتفاقية.
ويعتبر أن استمرار تآكل الاتفاق دون بديل سياسي واضح يضعف تدريجيًا وظيفة السلطة ودورها.
وفي المقابل، يوضح أن السلطة الفلسطينية تمتلك أوراق ضغط سياسية يمكن تفعيلها، مثل إعادة النظر في مستوى التنسيق الأمني أو الذهاب نحو خيارات سياسية أكثر حدة، إلا أن استخدام هذه الأدوات – بحسب تقديره – يبقى محدودًا في ظل موازين القوة القائمة والانقسام الداخلي الفلسطيني.
ويضيف أن التهديد الأكبر لا يكمن فقط في إلغاء الاتفاق من عدمه، بل في محاولة “تطبيع واقع ما بعد أوسلو” دون إعلان رسمي، بحيث تستمر السيطرة الميدانية الإسرائيلية بالتوسع، مقابل تراجع تدريجي في وظائف السلطة وصلاحياتها، وصولًا إلى نموذج إدارة ذاتية محدودة الصلاحيات.
ويختم ياسين بالإشارة إلى أن هذا المسار، إن استمر، قد يعيد تعريف العلاقة الفلسطينية–الإسرائيلية بالكامل، ليس عبر اتفاق جديد، بل عبر تفكيك تدريجي للإطار الذي حكم هذه العلاقة منذ أوائل التسعينيات، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة – بحسب وصفه – مرحلة إعادة تشكيل سياسي وأمني شديدة الحساسية.
الاتفاق الذي يُرادُ دفنه
ويتفق الكاتب ياسر المناع مع سابقه في أن النقاش الإسرائيلي المتصاعد حول إلغاء اتفاقية أوسلو لا يمكن قراءته كتحول مفاجئ، بل كامتداد لمسار طويل من تفريغ الاتفاق من مضمونه السياسي منذ توقيعه، وصولًا إلى محاولة نقله اليوم من حالة “الاتفاق المجمد عمليًا” إلى “اتفاق يُراد شطبه قانونيًا وسياسيًا”.
ويشير إلى أن تصريحات قادة في اليمين الإسرائيلي، وفي مقدمتهم بتسلئيل سموتريتش، تعكس انتقالًا واضحًا من إدارة الوضع القائم إلى السعي لإعادة تعريفه جذريًا، عبر إنهاء أي إطار سياسي يربط الضفة الغربية بفكرة التسوية أو الدولة الفلسطينية، واستبداله بمنطق “السيادة الإسرائيلية الكاملة”.
الكاتب المناع: النقاش الإسرائيلي المتصاعد حول إلغاء اتفاقية أوسلو لا يمكن قراءته كتحول مفاجئ، بل كامتداد لمسار طويل من تفريغ الاتفاق من مضمونه السياسي منذ توقيعه
وفي هذا السياق، يوضح أن مشروع إلغاء أوسلو المطروح داخل الكنيست، والذي يشمل أيضًا اتفاقيات الخليل وواي، لا يعبر فقط عن موقف سياسي، بل عن محاولة لتشريع هذا الموقف داخل النظام القانوني الإسرائيلي، وتحويله من خطاب أيديولوجي إلى بنية قانونية داخلية قابلة للتنفيذ مستقبلاً.
لكن المناع يؤكد أن هذا التوجه لا ينشأ من فراغ، بل يأتي بعد عقود من التحولات الميدانية التي أفرغت الاتفاق من جوهره، حيث تحولت الضفة الغربية إلى مساحة خاضعة لسيطرة إسرائيلية شبه كاملة في “المنطقة ج”، مع توسع استيطاني متواصل، مقابل إدارة فلسطينية محدودة الصلاحيات في مناطق أخرى، وهو ما جعل أوسلو – بحسب تعبيره – إطارًا لإدارة السكان لا لحل سياسي.
ويضيف أن ما بعد السابع من أكتوبر شكّل نقطة تحول في الخطاب الإسرائيلي، إذ لم يعد الحديث يقتصر على نقد الاتفاق أو تجاوزه عمليًا، بل انتقل إلى الدعوة لإزالته من الأساس، ضمن مشروع أوسع لإعادة صياغة مستقبل الضفة الغربية وإنهاء فكرة “المرحلة الانتقالية” التي حكمت المسار السياسي منذ التسعينيات.
وفي المقابل، يبرز المناع ثلاث عوائق رئيسية أمام تحويل هذا التوجه إلى واقع كامل: أولها الفلسطيني، المرتبط بكيفية إدارة ملايين السكان في حال تفكيك الإطار القائم دون بديل سياسي واضح؛ وثانيها الموقف الأميركي الذي ظل تاريخيًا ضامنًا رئيسيًا لمسار أوسلو؛ وثالثها الموقف الدولي، خصوصًا الأوروبي، الرافض لشرعنة الضم أو تغيير وضع الأراضي المحتلة من جانب واحد.
ويشير إلى أن إشكالية إسرائيل المركزية تكمن في التناقض بين السيطرة على الأرض وتجنب كلفة إدارة السكان، وهو ما جعل السلطة الفلسطينية في موقع “الإدارة الجزئية” ضمن معادلة سمحت لإسرائيل بالتحكم بالسيادة العليا دون تحمل العبء الكامل.
أما على المستوى الفلسطيني، فيدعو الكاتب إلى إعادة بناء وحدة سياسية وجغرافية بين الضفة وغزة والداخل، باعتبار أن المستهدف من هذا التحول ليس السلطة وحدها، بل الكيان السياسي الفلسطيني ككل، مع ضرورة تفعيل أدوات ضغط سياسية ودبلوماسية دولية لمنع تحويل الاحتلال إلى سيادة معلنة.
ويخلص إلى أن ما يجري لا يمكن التعامل معه كتحرك انتخابي أو خطاب سياسي عابر، بل كمسار تدريجي لإعادة هندسة الواقع في الضفة الغربية، قد يقود – في حال غياب ضغط دولي واضح – إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، تتجاوز أوسلو كليًا، وتفتح الباب أمام أنماط إدارة بديلة للفلسطينيين تحت سيطرة إسرائيلية مباشرة وغير مباشرة.
