غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

ماذا قال له أهله في المنام؟!

بالصور الناجي الوحيد من بين 39 شهيداً.. "الشاب خلة" يحفرُ بأظافره ليجد أطفاله تحت الأنقاض!

شمس نيوز - نضال أبو شربي

 

في حيٍّ من أحياء شمال غزة، حيث كانت البيوت متلاصقة كقلوب أهلها، وأصوات الأطفال تملأ الأزقة بالحياة، لم يبقَ من بيت عائلة محمود خلة سوى ركامٍ ثقيل يخفي تحته حكاية إبادة كاملة.

في لحظة واحدة من لحظة الحرب على غزة، تحوّل المنزل المكوّن من خمسة طوابق إلى قبر جماعي يضم 39 شهيدًا من عائلة واحدة، بينما خرج محمود خلة وحده حيًا، يحمل فوق كتفيه وجع الناجي الوحيد، وذاكرةً مثقلة بأسماء أحبته الذين ما زالوا حتى اليوم تحت الأنقاض.

ومنذ استهداف المنزل في ديسمبر/كانون الأول 2023، لم تتوقف معاناة محمود عند لحظة الفقد، بل بدأت رحلة أقسى؛ رحلة البحث عن الجثامين وانتشال الشهداء بيديه العاريتين، بعدما عجزت كل المؤسسات والجهات المعنية عن توفير المعدات اللازمة لرفع الركام.

سنتان وخمسة أشهر مرّت، وما زالت زوجته وأطفاله ووالداه وإخوته وأبناء إخوته وأخواله تحت الإسمنت والحديد والتراب، بينما يقف يومياً أمام الركام وكأنه يقف أمام ذاكرته المدفونة.

يقول محمود خلة بصوتٍ متعب أنهكه الانتظار والفقد: "كنت أعيش مع عائلتي الكبيرة في البيت... وكنا حوالي 39 شخصًا.. وفي لحظةِ غدرٍ اسرائيلية صار البيت فوق رؤوسنا.. للأسف لم ينجُ أحد غيري لقد فقدت زوجتي وأطفالي، أبي وأمي، إخوتي وأبناؤهم، أخوالي وأولادهم كلهم استشهدوا."

يصمت خلة قليلًا، ثم ينظر إلى الركام كأنه يرى الوجوه تحته، ويضيف :"مشكلتي مش بس إني فقدتهم مشكلتي إنهم حتى الآن تحت الأنقاض، بدون قبر، بدون وداع."

وعلى مدار أشهر طويلة، طرق محمود أبواب المؤسسات الدولية والمحلية والدفاع المدني والبلديات، يناشدهم إرسال حفارات أو معدات ثقيلة تساعده في إخراج الجثامين، لكن الرد كان دائمًا واحدًا: "لا توجد إمكانيات."

ومع غياب المعدات الثقيلة في القطاع المحاصر، اخذ خلة قراراً بان يبحث عن احبائه بيديه واظافره، قائلاً: "أحفر كل يوم وسط الركام، أرفع الحجارة والإسمنت بيديَ.

IMG_1008.JPG.jpeg
 

لا يتوقف خلة عن البحث والحفر رغم الإرهاق الذي يصيبه، ولا يملك رفاهية الاستسلام يقول :"إحنا تعبنا، لكن مش هنوقف.. بدنا نطلعهم وندفنهم ونرتاح.. حتى لو ضلينا نحفر بأيدينا".

داخل الطبقة الأرضية من المبنى المنهار، ما يزال 24 شهيدًا عالقين، بينهم زوجته وأطفاله ووالداه، هناك، تحت الخرسانة الباردة، يرقد كل ما تبقى من حياته.

ويتابع محمود بصوت يختلط فيه الغضب والحزن :"أخذوا غزة كلها عشان جندي، بينما آلاف الشهداء ما زالوا تحت الأنقاض.. إحنا عنا أكثر من 24 ألف مفقود تحت الركام في غزة، والناس تعبت وهي تستنى."

وأكثر ما يؤلم الشاب خلة ليس التعب الجسدي، بل العجز النفسي الذي يطارده كل ليلة، إذ يشعر أن ذويه الذين دفنوا تحت آلاف الاطنان من الركام، هم أمانة في رقبته، وأن من واجبه إكرام مثواهم، من خلال اخراجهم ودفنهم في المقابر على الطريقة الإسلامية.

وأضاف خله وهو يحاول حبس دموعه :"أنا ما بنامش.. كل ليلة بحلم بأولادي ومرتي.. بحلم إنهم بيحكولي: طلعنا يا بابا."

يتوقف عن الكلام للحظات، ثم يكمل :"لو إلهم قبر كنت بروح أزورهم وبرتاح نفسيًا. لكنهم تحت الركام بدون قبر."

في الشتاء، كان المطر يزيد عذابه كان يقف فوق الركام خائفًا عليهم، رغم أنهم شهداء كما يضيف :" بان الشتاء كان ينزل عليهم وأنا قلبي يتقطع. كنت أخاف عليهم من البرد ومن الحيوانات ومن كل شيء.. الناس تستغرب كيف بخاف على الميتين بس هدول أولادي وأهلي."

IMG_1020.JPG.jpeg
 

ويمضي محمود يومه بين الحفر والنظر إلى صور أحبته على هاتفه المحمول يقلب بالصور مرارًا، يتوقف عند صورة ابنه حمزة، ويهمس باسمه وكأنه ما زال حيًا.

"سنتين وخمسة شهور ما شفتهم غير بالصور ورغم كل ما يعيشه، لا يطلب محمود المستحيل، بل يطالب فقط بحق إنساني بسيط أن يتمكن من دفن عائلته بكرامة.

ويوجه رسالته الأخيرة إلى المؤسسات الدولية والبلديات والدفاع المدني:

"الناس اللي إلها شهداء تحت الأنقاض ما بتنامش.. مستحيل يرتاحوا.. لازم تساعدوا الناس تطلع جثامين أهلها.. اللي ما جرّب الوجع ما رح يفهمه."

في غزة، لا تنتهي المأساة عند الموت، بل تبدأ أحيانًا بعده؛ فهناك، تحت آلاف الأطنان من الركام، ما تزال حكايات كاملة تنتظر من ينتشلها… وأبٌ وحيد ما يزال يحفر بيديه، على أمل أن يحتضن أبناءه مرة أخيرة.

IMG_1047.JPG.jpeg