غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

أطرافٌ رقمية لجسدٍ أنهكته الحرب: قصة النجاة والحلم للطفل سمير زقوت

الطفل سمير زقوت
شمس نيوز - نضال أبو شربي

وسط ألسنة النار وصوت الطائرات المسيّرة التي مزّقت هدوء البيت، كان الطفل سمير زقوت، ذو الاثني عشر عامًا، يعيش لحظةً ستغيّر حياته إلى الأبد.

لم يكن يحمل سلاحًا، ولم يكن يفعل شيئًا سوى اللعب مع شقيقه داخل المنزل، حين تحوّلت الغرفة الصغيرة إلى ساحة انفجار، ووجد نفسه بعد لحظات بين الحياة والموت، فاقدًا يده وقدمه، محاصرًا بالألم والخوف والصدمة.

يروي سمير قصته بصوتٍ طفولي تختلط فيه البراءة بالوجع قائلاً: "كنت ألعب أنا وأخويا بالكرة، الكرة راحت عند الشباك، أخوي راح يجيبها، وأنا قعدت على الجوال فجأة دخلت الطيارة المسيّرة وضربت الغرفة، بعدها ما بعرف شو صار، صحيت في مستشفى الشفاء، لقيت حالي في العمليات، ولقيت إيدي ورجلي مبتورين"، كانت الصدمة أكبر من أن يتحملها طفل في مثل عمره.

يستعيد تلك اللحظة بصعوبة وهو يقول: "أول ما صحيت سألت أمي وأبوي: وين إيدي ورجلي؟ وزعلت كتير وروحت في غيبوبة، حسيت الدنيا انتهت، وما كنتش قادر أتقبل اللي صار معي".

لم يكن الألم الجسدي وحده ما عاناه سمير، بل عاش شهورًا قاسية من الانكسار النفسي والعجز الكامل. فبعد إصابته لم يعد قادرًا على الحركة أو اللعب أو حتى القيام بأبسط تفاصيل حياته دون مساعدة.

وأشار زقوت "كنت قبل الأطراف ما أقدر أمشي ولا ألعب، كنت على الكرسي طول الوقت، وكل إشي بدي حدا يساعدني فيه. حتى لما نزحنا من شمال غزة للجنوب كنت أتنقل بصعوبة كبيرة".

وفي ظل الانهيار الصحي ونقص العلاج داخل مستشفيات غزة، عانى الطفل رحلة طويلة من العمليات والآلام، قبل أن يتمكن أخيرًا من السفر إلى الأردن لتلقي العلاج.

هناك، بدأت مرحلة جديدة في حياته "لما وصلت الأردن دخلوني المستشفى مباشرة، عملولي عمليات كتيرة، وبعدها أخذوني على مركز الأطراف. أول مرة ركبت الأطراف فرحت كتير حسيت إني رجعت أعيش من جديد".

لم تكن الأطراف التي حصل عليها عادية، بل أطراف رقمية متطورة تساعده على الحركة والإمساك بالأشياء. يتحدث سمير عنها بفخر واضح.

كما يشير "ركبت إيد ورجل ديجيتال، وصرت أتعلم عليهم شوي شوي، صرت ألبسهم وأشحنهم لحالي، وأتحرك لحالي، وألعب وأطلع وأجري، صحيح الطرف مش زي الرجل الطبيعية بس رجعلي حياتي".

وبينما يتحدث، تظهر في صوته فرحة طفل استعاد جزءًا من طفولته المسروقة يؤكد زقوت: "أنا أول ما ركبت الأطراف حسيت بفرحة كبيرة صرت أمشي وأطش وألعب. قبل كنت أحتاج حدا يطلعني ويوديني، هسا صرت أعتمد على حالي".

لكن خلف هذه الكلمات، تقف أمٌ أنهكها الخوف والسهر والألم فتقول والدة سمير، دعاء زقوت، لا تستطيع أن تنسى اللحظات الأولى بعد القصف، حين اشتعل المنزل بالكامل بينما كان ابنها عالقًا وسط النار.

كما تقول الأم بصوتٍ متعب: "الدار كلها كانت نار… الغرفة مولعة وسمير جوّا النار. ما كنا عارفين نطلعه. أكثر من مرة حاولوا يوصلوله لحد ما قدروا يطلعوه. كانت لحظات مرعبة، وما كنا عارفين إذا رح يعيش أو لا.”

تضيف وهي تستذكر أيام العلاج الأولى: “أول ثلاث شهور كانت من أصعب أيام حياتي. كنت نايمة معاه في المستشفى، أحمله وأطعميه وأوديه الحمام، كان معتمد علي بكل إشي، كان نفسيته تعبانة جدًا، وكان يخجل يطلع قدام الناس بعد بتر إيده ورجله".

وتتابع: “كان يحس إنه فقد جزء من حياته، وإنه صار مختلف عن باقي الأطفال. لكن لما ركب الأطراف، حسيت إنه الحياة رجعتله من جديد. صار يعتمد على حاله، وصار يفرح لما يمشي لحاله".

رغم التحسن الكبير، لا تزال رحلة العلاج طويلة، فالأطراف تحتاج إلى تبديل مع نمو جسده، وما زال بحاجة لعمليات وتأهيل مستمر.

لكن سمير، الذي عرف مبكرًا معنى الفقد والألم، صار يحمل حلمًا أكبر من عمره الصغير، يقول بابتسامة هادئة: "نفسي لما أكبر أصير دكتور أطراف عشان أساعد الناس اللي انبترت رجليهم وإيديهم، وأركب لهم أطراف زي اللي ركبتها".

في غزة، حيث تتحول طفولة الأطفال إلى قصص نجاة ومعاناة، يقف سمير شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على النهوض رغم الألم، وعلى أن طفلًا فقد أطرافه تحت القصف، يمكنه رغم كل شيء أن يتعلم المشي من جديد وأن يحلم أيضًا.

وفي نهاية هذه الرحلة الثقيلة بالألم، لا تبدو قصة سمير زقوت مجرد حكاية طفل فقد يده وقدمه في لحظة قصف، بل شهادة حيّة على ما تتركه الحروب في أجساد الأطفال وأرواحهم. طفل كان يركض خلف كرة مع شقيقه، فتحوّل فجأة إلى جسدٍ مثقل بالجراح والعمليات والانتظار الطويل بين المستشفيات، قبل أن يبدأ من جديد رحلة تعلّم المشي والحياة بأطرافٍ صناعية.

ورغم قسوة المشهد، فإن أكثر ما يلفت في حكاية سمير ليس البتر ولا الألم، بل تلك الإرادة الصغيرة التي رفضت الاستسلام. فبين غرف العمليات، وصعوبة العلاج، والخوف الذي لازمه بعد إصابته، استطاع أن يتمسك بالحياة، وأن يحوّل معاناته إلى حلمٍ جديد، حلم أن يصبح يومًا طبيب أطراف يساعد الأطفال والجرحى الذين يعيشون التجربة ذاتها.

أما والدته، التي حملت وجعه يومًا بيوم، فكانت شاهدة على التحول الكبير الذي صنعته لحظة وقوفه من جديد على قدميه الصناعيتين. لحظة لم تعُد فيها الأطراف مجرد أدوات للحركة، بل نافذة أعادت لطفلها شيئًا من طفولته وثقته بنفسه وقدرته على الحياة.

قصة سمير ليست حالة فردية في غزة، بل صورة تختصر معاناة آلاف الأطفال الذين بدّلت الحرب ملامح حياتهم، وحرمتهم من أبسط حقوقهم في الأمان والعلاج والطفولة الطبيعية. ومع ذلك، يبقى هؤلاء الأطفال قادرين على صناعة الأمل من قلب الركام، وعلى منح العالم درسًا قاسيًا في الصبر والتمسك بالحياة، حتى حين تُنتزع منهم أجزاء من أجسادهم وأحلامهم.

وفي كل خطوة يخطوها سمير اليوم بأطرافه الرقمية، ثمة رسالة واضحة تقول إن الجسد قد يُصاب، لكن الإرادة الإنسانية قادرة دائمًا على الوقوف من جديد، مهما كان حجم الوجع.