كتب: جلال نشوان
زاحمتني الأفكار، وحار قلمي، فارتشفت قهوتي، وبهدوء جال خاطري في حياتنا وفضاءاتنا التي أصبحت مشوشة وأكثر تشابكًا، وباتت تؤثر حتى على أمزجتنا ومساحات تفكيرنا، التي غدت مكتظة، فلا سبيل للهدوء، إذ تتزاحم الأفكار دون هوادة على أعتاب الذهن، نتيجة رتم الحياة الصعبة وقسوة الظروف التي يمر بها شعبنا، من ويلات احتلالٍ دمّر كثيرًا من مناحي الحياة، حتى غدا الحزن رفيق أيامنا، وأصبحت حياتنا مترعة بالأوجاع.
لكنني قررت أن أكون مثاليًا ولو برهة من الزمن؛ فمن رحم المعاناة قد تولد فكرة، لكنها تكون في طور النشأة، ثم تنمو وتترعرع، وترسم لوحة جميلة.
وأنا في مكتبتي، وقعت عيناي على قول مأثور: "يجب أن تبتسم حتى في أحلك الظروف".
إذن، يجب أن تكون بشوشًا؛ فالحزن والعبوس لا يصلحان حالًا، ولا يشفيان مريضًا، ولا يغيثان ملهوفًا، ولا ينصران مظلومًا، ولا يحييان ميتًا، ولا يداويان جريحًا، ولا يكشفان كرب شعبنا، ولا يردّان غائبًا. فلا تحزن، ولا تعبس، لأن الفائدة منهما معدومة.
لا تحزن؛ لأنك جربت الحزن بالأمس، فما نفعك شيئًا.
رسب ابنك فحزنت، فهل نجح؟!
مات والدك فحزنت، فهل عاد حيًا؟!
خسرت تجارتك فحزنت، فهل عادت الخسائر أرباحًا؟!
الحزن يريك الماء الزلال علقمًا، والوردة حنظلة، والحديقة صحراء قاحلة، والحياة سجنًا لا يطاق.
لا تحزن وأنت تملك عينين، وأذنين، وشفتين، ويدين، ورجلين، ولسانًا، وقلبًا، وأمنًا، وعافية في الأبدان.
لا تحزن ولك دين سمح جميل، وبيت تسكنه، وخبز تأكله، وماء تشربه، وثوب تلبسه، فلماذا تحزن؟
فالابتسامة تحيي النفوس، وتخرجها من غياهب الألم المتراكم على كواهلنا.
السادة الأفاضل،
لا نعلم عمق الجراح الغائرة في كل نفس، فمنغصات الحياة التي خلفتها المآسي جعلت حياتنا أشبه بالجحيم، ورغم ذلك كن بشوشًا، لا تزعزعه الأعاصير المتضاربة، ولا تحطمه معاول الهدم.
اجعل كلمتك تقارع اليأس والأحزان.
كن طليق الوجه، بشوشًا، كما كان سيد الخلق أجمعين، رسول الله ﷺ، يعود الناس بابتسامة حلوة، وكان سهلًا سمحًا لينًا، دائم البشر، يواجه الناس بابتسامة، ويبادرهم بالسلام، ولنا فيه أسوة حسنة، نتعلم منه أدب التخاطب ومواجهة الأوجاع.
بشاشة الوجه والتعامل مع الحياة بإيجابية تنير الظلمات التي تجتاح الأنفس، وتقويها وتدعمها لتنهض من جديد.
ازرع طيبًا تحصد جميلًا، فالجميل هو من ينتشلك من الغرق، وهو الذي يسارع ليمد يده إلى الآخر حين سقوطه، يربت على كتفه، ويمسح الغبار عن ركبتيه، ثم يكون عكازًا يتكئ عليه حتى يستطيع المشي من جديد.
كن خفيف الحضور، جميل العشرة، رقيق الكلام، طيب القلب.
اجعل كل من يعرفك ينتظر لقاءك، ويستمتع ببقائك، وينتفع بحديثك، وإذا رحلت تركت بصمة في القلوب، ولهفة لموعدك القادم.
ولا تكن ثقيلًا فيُستغنى عنك، ولا خفيفًا فيُستهان بك.
ارتقِ بحوارك، ولا تجعل حياة الناس موضعًا لحديثك، فالرقي في الأفكار لا في الأحداث.
ابتسم، وكن بشوش الوجه، ولا تكن عبوسًا. انشر التفاؤل والإيجابية، ولا تكن محبطًا، فالجميع مثقل بأعباء الحياة.
وإذا أردت أن تحيا سعيدًا في نفسك، سليمًا في جسمك، محبوبًا بين الناس، فتعلم أن توازن بين المتناقضات:
لا تكن صلبًا فتُكسر، ولا تكن لينًا فتُعصر، وكن بينهما وسطًا معتدلًا.
ولا تكن ضحوكًا فتُحتقر، ولا تكن عبوسًا فتهجر، وكن بينهما وسطًا معتدلًا.
ولا تشبع كثيرًا فتمرض، ولا تجع كثيرًا فتضعف، وكن بينهما وسطًا معتدلًا.
ولا تكن ثرثارًا فيملّك الناس، ولا أخرسًا فيتجاهلونك، وكن بينهما وسطًا معتدلًا.
ولا تسهر كثيرًا فتكسل، ولا تنم كثيرًا فتعجز، وكن بينهما وسطًا معتدلًا.
أعتذر عن مثاليتي، ولكن قلمي أصرّ على طرح ذلك.
اللهم فرّج كربات شعبي.
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي: جلال نشوان
