غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

حين يُمنع الشوق: حُجّاج غزة بين قرعةٍ أفرحتهم وحربٍ أطفأت حلمهم

حجاج بيت الله الحرام
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تتجه قلوب الملايين من المسلمين في هذا الوقت كل عام صوب مكة المكرمة، يحملون الشوق في صدورهم، ويرددون "لبيك اللهم لبيك" بأعين دامعة وأرواح متلهفة لزيارة بيت الله الحرام؛ لكن في غزة، ثمة قلوب بقيت معلّقة، تنتظر لحظة لم تأتِ بعد، وأحلامٌ أثقلها الحصار والحرب والحرمان على مدار ثلاث سنوات متواصلة.

الحاج جمعة شنيورة، (78 عامًا)، وزوجته، لم يكونا يطلبان من الدنيا سوى أن يُكتب لهما الوقوف على جبل عرفات، وأن يلامسا الكعبة المشرفة بأيدٍ أنهكها العمر والتعب.

سنوات طويلة من الانتظار والدعاء، وفرحة كبيرة غمرت قلبيهما حين تلقّيا اتصالًا يُخبرهما بوقوع اسميهما في قرعة الحج لعام 2023، ومنذ تلك اللحظة، عاش الزوجان تفاصيل الرحلة قبل أن تبدأ؛ جهزا الملابس، والمصليات، والهدايا للأحفاد والأبناء، وحلّقت أرواحهما نحو مكة والمدينة، قبل أن تأتي الحرب وتُطفئ الحلم.

ثلاث سنوات من الحرمان، وآلاف الدولارات التي أودعت في البنوك على أمل السفر، وأيام طويلة من الترقب والدعاء، انتهت كلها إلى انتظارٍ ثقيل وأسئلة موجعة: لماذا يُحرم أهل غزة من زيارة بيت الله؟ ولماذا تتحول فريضة الحج إلى حلم بعيد المنال؟

في هذه المقابلة المؤثرة، يفتح الحاج جمعة وزوجته قلبيهما، ويرويان بحسرة تفاصيل حلمٍ عاشا له سنوات طويلة، قبل أن تصادره الحرب والإغلاق.

وقال الحاج جمعة شنيورة بصوتٍ يملؤه الحزن والقهر إن فرحته يوم أُبلغ بخروج اسمه للحج كانت لا توصف، موضحًا أنه منذ سنوات طويلة ينتظر تلك اللحظة التي يتمكن فيها من زيارة بيت الله الحرام وأداء مناسك الحج.

وأضاف أنهم جهزوا كل شيء استعدادًا للسفر؛ من الهدايا والمستلزمات إلى ملابس الإحرام والمصليات، وكانت قلوبهم تسبقهم إلى مكة المكرمة.

وأوضح أن شوقه الأكبر كان للوقوف على جبل عرفات وترديد "لبيك اللهم لبيك"، مؤكدًا أن هذا الحلم ظل يرافقه طوال حياته، لكنه اليوم يشعر بأن العمر يمضي دون أن يتحقق.

وقال بحسرة "إن أهل غزة يُحرمون من حقهم في زيارة بيت الله الحرام"، متسائلًا عن الذنب الذي ارتكبوه ليُمنعوا من أداء فريضة الحج والعمرة.

وأضاف أنه يناشد الدول العربية والإسلامية، أن ينظروا إلى معاناة أهالي غزة، وألا يُحرموا من أداء هذه الفريضة، خاصة في ظل ما يعيشه القطاع من حربٍ ومعاناة وحصار.

وبيّن الحاج جمعة أنه وزوجته قاما بإيداع مبالغ مالية للحج لعدة سنوات متتالية، حيث دفعا ما يزيد عن أربعة آلاف دولار لكل منهما، لكنهما لم يتمكنا من السفر بسبب استمرار الإغلاق والحرب، مشيرًا إلى أن هذا الحلم كان يمثل بالنسبة لهما فرحة العمر.

وقال "إن مشاهد الحجاج وهم يقفون على جبل عرفات تؤلمه كثيرًا، وتدفعه للبكاء والدعاء، موضحًا أنه يشعر باكتئاب شديد بسبب هذا الحرمان، خاصة أنه بلغ من العمر ما يجعله غير قادر على الانتظار طويلًا".

أما زوجته، فتحدثت بدموعٍ لم تستطع إخفاءها، مؤكدة أنها منذ أكثر من عشر سنوات تحلم بالحج، ولم تصدق نفسها حين أُبلغت بأن اسمها خرج ضمن كشوفات الحجاج.

وقالت إنها بدأت فورًا بتحضير أغراضها والهدايا لأبنائها وأحفادها، وعاشت تفاصيل الرحلة وكأنها أصبحت قريبة جدًا.

وأضافت أن الحرب سرقت منها كل شيء، حتى الأغراض التي جهزتها للحج دُمّرت تحت القصف، وبقي الحلم وحده عالقًا في قلبها.

وأكدت أن أكثر ما تتمناه هو زيارة المسجد النبوي والوقوف أمام قبر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى الوقوف على جبل عرفات وأداء مناسك الحج كاملة.

وقالت الحاجة إنها منذ تسجيلها للحج وهي تتخيل نفسها في مكة المكرمة، تطوف حول الكعبة وتقف على عرفات، موضحة أن هذا الحلم أصبح جزءًا من حياتها اليومية، لكنها اليوم تشعر بمرارة كبيرة وهي ترى ملايين المسلمين يؤدون الحج بينما يُحرم أهل غزة من ذلك.

وأضافت أن هذا الحرمان ليس مجرد منع من السفر، بل حرمان من ركن أساسي من أركان الإسلام، ومن حلم عاش لأعوام طويلة في قلوب كبار السن الذين يخشون أن تنتهي أعمارهم قبل أن تتحقق أمنيتهم.

وأكدت الحاجة أنها تناشد العالم العربي والإسلامي أن يقف إلى جانب أهالي غزة، وأن يمنحهم فرصة لأداء مناسك الحج والعمرة، قائلة إن أهل غزة يستحقون نظرة رحمة ومحبة بعد كل ما عاشوه من مآسٍ وحروب.

ورغم كل الألم، ما زال الحاج جمعة وزوجته يتمسكان بالأمل، ويرفعان أكف الدعاء بأن يأتي يوم يطوفان فيه حول الكعبة، ويقفان على عرفات، ويرددان مع الحجاج: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" فالأحلام التي تولد من الإيمان لا تموت، مهما طال الانتظار ومهما اشتد الحرمان.