حذّر مختصون وناشطون بيئيون في قطاع غزة من كارثة صحية وبيئية متفاقمة تهدد الخزان الجوفي، المصدر الأساسي للمياه في القطاع، نتيجة تكدّس مئات آلاف الأطنان من النفايات الصلبة وتسرب المياه العادمة بفعل الدمار الواسع الذي خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية على البنية التحتية.
ويُعدّ أحد أكبر مكبّات النفايات العشوائية وسط مدينة غزة نموذجًا صارخًا لحجم الأزمة البيئية التي تواجهها المدينة، حيث تتراكم كمية كبيرة من النفايات الصلبة، وسط غياب المعالجة السليمة أو العزل الصحي، ما يؤدي إلى تسرب العصارة شديدة السمية إلى باطن الأرض، مهددة الخزان الجوفي الذي يعاني أصلًا من شحّ حاد وتدهور مستمر في نوعية المياه.
"تلوث طويل الأمد"
ويواجه الخزان الجوفي في مدينة غزة مخاطر متزايدة من التلوث، في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة، والتي تسببت بتدمير واسع لشبكات الصرف الصحي والمرافق الخدمية، الأمر الذي أدى إلى تسرب كميات كبيرة من المياه العادمة إلى التربة، بالتزامن مع تكدّس النفايات داخل مناطق مأهولة بالسكان.
وفي شمالي مدينة غزة، تحولت بركة الشيخ رضوان، التي أُنشئت أساسًا لتجميع مياه الأمطار وحقنها في الخزان الجوفي للاستفادة منها لاحقًا، إلى بؤرة تلوث بيئي بعد اختلاط مياهها بمياه الصرف الصحي شديدة التلوث، نتيجة انهيار أجزاء واسعة من شبكات التصريف وتعطل المضخات ومحطات المعالجة.
ويقول مختصون في الشأن البيئي إن استمرار تدفق المياه العادمة وتسرب عصارة النفايات إلى باطن الأرض ينذر بتلوث طويل الأمد للخزان الجوفي، بما قد يجعل أجزاء واسعة من المياه غير صالحة للاستخدام البشري مستقبلًا، في ظل محدودية البدائل المائية داخل القطاع المحاصر.
ويؤكد الخبراء أن معالجة الأزمة لا تزال ممكنة، لكنها تتطلب تدخلًا عاجلًا لإعادة إنشاء وإصلاح شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ والمعالجة، إضافة إلى إعادة تأهيل مكبّات النفايات وفق المعايير الصحية العالمية، بما يشمل عزل النفايات بطبقات حماية خاصة مثل “الجيوممبرين” لمنع تسرب العصارة السامة إلى المياه الجوفية.
تدمير البنية التحتية
كما تحتاج عمليات المعالجة إلى إعادة تشغيل مضخات الصرف الصحي وإزالة النفايات المتراكمة داخل المناطق السكنية، إلى جانب توفير المعدات والمواد الأساسية اللازمة لأعمال الصيانة الطارئة وإعادة الإعمار البيئي.
وكانت الحرب الإسرائيلية قد تسببت بتدمير أكثر من 200 ألف متر طولي من شبكات المياه العادمة في قطاع غزة، إضافة إلى تضرر معظم محطات ومضخات الصرف الصحي، ما فاقم أزمة التلوث البيئي والصحي، في وقت تتواصل فيه القيود على إدخال المعدات والمواد اللازمة لإصلاح تلك البنى الحيوية.
ويحذر مختصون من أن آثار الحرب على الواقع البيئي والمائي في قطاع غزة لن تتوقف عند المرحلة الحالية، بل قد تمتد لسنوات وربما لعقود، إذ لا يواجه سكان القطاع خطر شحّ المياه فقط، بل تهديدًا متزايدًا بتلوث الخزان الجوفي، بما ينعكس على صحة السكان والأمن المائي للأجيال القادمة.
