في غرفةٍ ضيّقة داخل قطاع غزة، يجلس طفلٌ صغير يحدّق في صورة والده على شاشة هاتف، يمرّر أصابعه فوق الملامح كأنه يحاول استعادته من خلف الغياب، بصوتٍ متردد يسأل والدته: "متى سأحضن بابا؟"، سؤال بسيط في ظاهره، لكنه يلخص مأساة مئات الزوجات والأمهات والأطفال العالقين داخل القطاع، بعدما حالت الحرب وإغلاق المعابر دون لمّ شملهم مع عائلاتهم في الخارج.
ليست هذه حالة فردية، بل مشهد متكرر لعائلات تفككت قسراً بفعل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، حيث وجدت زوجات أنفسهن عالقات في غزة بعد زيارات مؤقتة، فيما بقي الأزواج والأبناء خارجها، لتتحول الزيارة العابرة إلى سنوات من الانتظار القاسي، وبين نزوحٍ متكرر وضغطٍ نفسي متصاعد، تتسع فجوة الفراق يوماً بعد يوم، ويكبر الأطفال بعيداً عن آبائهم.
وسط هذا الواقع، خرجت عشرات النساء في وقفة احتجاجية سلمية للمطالبة بحقهن في السفر ولمّ الشمل، مؤكدات أن قضيتهن إنسانية بحتة، تتجاوز التعقيدات الإدارية والسياسية، وتمس جوهر الحق في الحياة الأسرية. تقول دنيا الحساسنة، وهي زوجة وأم عالقة منذ ما قبل الحرب، إن أطفالها "يكبرون بعيداً عن آبائهم وعن أبسط حقوقهم في الاستقرار والأمان"، مضيفة أن محاولاتها المتكررة للتواصل مع جهات دولية لم تُنهِ معاناتهن المستمرة.
وتؤكد إسراء عبد الهادي أن "كل يوم إضافي من الانفصال يهدد بتمزيق العائلات أكثر"، مشيرة إلى أن نساء كثيرات ينتظرن منذ سنوات فرصة اللقاء بأزواجهن أو استكمال حياتهن خارج القطاع.
أما لبنة جميل، التي جاءت إلى غزة قبل الحرب بأيام، فتقول إن الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت، بل "سرقت الاستقرار ولم تترك سوى الانتظار"، مضيفة أنها لم تعد تحتمل سنوات الفراق عن زوجها وأبنائها.
وفي شهادة أخرى، تروي أم محمد كيف بدأت ابنتها الصغيرة تنسى ملامح والدها، بعدما صار حضوره محصوراً في صور على الهاتف، فيما تقول آلاء إن الحياة تحولت إلى "انتظار مفتوح بين الخوف والقلق"، حيث يعيش الأطفال ثمن الغياب اليومي لآبائهم.
هكذا تتقاطع الحكايات عند وجع واحد: عائلات معلّقة بين جغرافيا الحرب وحدود المعابر، وأطفال يكبرون على سؤال لا يجد إجابة، وبينما تستمر المناشدات، يبقى أمل هذه الأسر أن يتحول الانتظار الطويل إلى فرصة لقاء، تعيد ما انقطع من دفء العائلة، وتضع حداً لسنوات من الفراق القسري.
