غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

نيكولاي ميلادينوف.. الرجل الخطأ في المكان الخطأ!

أحمد عبد الرحمن
يقلم الكاتب: أحمد عبد الرحمن

في بعض الأحيان، يتوجّب على القادة السياسيين خلع قفّازاتهم الناعمة التي يرتدونها لإدارة شؤون شعوبهم، ويلجأون بدلاً منها إلى أخرى خشنة وجارحة، إذ إن استمرار الجنوح إلى الموادعة وحسن النوايا في القضايا المصيرية قد يؤدي إلى كوارث لا تُحمد عقباها، خصوصاً في حال كان الخصوم يفتقرون إلى أدني درجات الوفاء بالعهود،أو الالتزام بالمواثيق والتوافقات.

في الحالة الفلسطينية ما بعد التوصل إلى اتفاق التهدئة في العاشر من تشرينالأول/أكتوبر من العام المنصرم، بدا الطرف الفلسطيني في أعلى درجات الالتزام والانضباط، وبقي مستمراً على هذا النهج طوال أكثر من ستة أشهر ونصف الشهر، مفضّلاً رغم ما مُني به من خسائر تفويت الفرصة على العدو الصهيوني الذي ارتكب ما يزيد على ثلاثة آلاف خرق، نتج عنها أكثر من سبعمائة شهيد، كان من بينهم قادة كبار في فصائل المقاومة الفلسطينية. 

في "إسرائيل" فهموا أن هذا الانضباط الفلسطيني، وعدم القيام بأي رد فعل نوعي كنتيجة لضعف المقاومة في قطاع غزة، وأن بنية هذه المقاومة وإمكاناتها العسكرية قد تضرّرت بشكل لا يمكن معه الإقدام على أي عمل ضد "جيش" الاحتلال، وهذا الأمر انعكس بشكل مباشر على ارتفاع واضح في عدد الخروقات، إضافة إلى ارتفاع منسوبها كمّاً ونوعاً.

وبغض النظر عمّا إذا كان هذا الفهم الإسرائيلي يعبّر عن حقيقة واقعة، أم هو نتاج تقدير موقف خاطئ، فإن النتيجة واحدة، وهي أي هذه النتيجة، قد أغرت قادة العدو على الذهاب بعيداً في عدوانهم على قطاع غزة، والتجرّؤ على ارتكاب جرائم قتل واغتيال ومصادرة المزيد من الأراضي من دون أن يرف لهم جفن، بل ومن دون الحاجة إلى تبرير كما كان الحال في الثلاثة الشهور الثلاثة الأولى من اتفاق التهدئة الهش والمتداعي.

بعد عملية اغتيال قائد كتائب القسام الشهيد عز الدين الحداد وزوجته وابنته قبل أيام ،بدأت ردود فعل فصائل المقاومة الفلسطينية وفي مقدّمتها حركة حماس تشهد تغييراً لافتاً، وهي وإن لم ترقَ إلى درجة الفعل بعد، إلا أنها تميّزت عما سبقها من ردود وصفها الكثيرون بالباردة والسلبية ،إذ خرج الأمر هذه المرة عن نطاق المألوف، حتى وصل إلى رفض المقاومة عقد أي اجتماعات مع الوسطاء الإقليميين كانت مقررة في القاهرة خلال الأيام الماضية،وهو الأمر الذي عُدّ بأنه خروج عن حالة الصمت التي سادت سابقاً، وأن الأمور قد تخرج عن سياقها في أي لحظة نتيجة ارتفاع وتيرة خروقات الاحتلال، وهو ما ضاقت به المقاومة ذرعاً بشكل غير مسبوق.

في السياق نفسه، أبلغت المقاومة ولأول مرة وبشكل رسمي الجهات الوسيطة برفضها قضية نزع السلاح جملةً وتفصيلاً، وأن الأولى أن يتم إجبار الاحتلال على تنفيذ ما عليه من استحقاقات قبل الحديث حول هذا الأمر، لا سيّما تلك الالتزامات المدرجة ضمن المرحلة الأولى من اتفاق التهدئة، والتي تنكّر الاحتلال لأكثر من 70% منها.

ثالث التغيّرات التي طرأت على موقف المقاومة هو رفض التعاون ولو مؤقتاً مع الممثل الأعلى لـ "مجلس السلام" نيكولاي ميلادينوف، والذي بات يتبنّى السردية الإسرائيلية في ما يخص العوائق التي تقف في وجه استمرار وقف إطلاق النار، أو الانتقال إلى المرحلة الثانية منه، لا سيّما بعد الإحاطة التي قدّمها أمام مجلس الأمن الدولي، والتي زعم فيها أن العقبة الأكبر التي تقف في وجه بدء عملية الإعمار، وإدخال المساعدات بشكل حقيقي هي رفض المقاومة تسليم سلاحها، متجاوزاً بشكل غريب ولافت استمرار العدوان الإسرائيلي، أو حجم الخروقات الهائلة التي تحدث في قطاع غزة على مدار الساعة.

من وجهة نظر إسرائيلية، فإن ميلادينوف هو الشخص المناسب لمثل هذا المنصب الذي يشغله حالياً، وهو من خلال مواقفه يُعفي العدو الإسرائيلي من أي مسؤولية قانونية تتعلّق بتقويض أو خرق اتفاق التهدئة، بل ويسهم في تحريض بعض دول العالم على مقاومة الشعب الفلسطيني المحاصر والمنكوب.

يمكن الاعتقاد بتمتّع ميلادينوف بعلاقات واسعة مع العدو الإسرائيلي، خصوصاً بعد أن شغل سابقاً منصب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط من عام 2015 وحتى عام 2020، وقاد الكثير من جولات التفاوض غير المباشرة بين المقاومة في غزة و"دولة" الاحتلال قبل اندلاع معركة "طوفان الأقصى"، وهذه العلاقة عزّزها أيضاً ارتباطه الوثيق بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والذي أُسس في عام 1985برعاية لجنة العلاقات العامة الأميركية- الإسرائيلية "أيباك" ،والتي تُعد أكبر جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" داخل الولايات المتحدة الأميركية، حيث يصنّف المعهد ميلادينوف بأنه "زميل زائر متميّز".    

ميلادينوف الذي عمل سابقاً وزيراً للخارجية البلغارية ووزيراً للدفاع أيضاً، بالإضافة إلى كونه عضواً في البرلمان الأوروبي، لا يُخفي في تصريحاته أو إحاطاته الرسمية رؤيته للوضع الحالي في قطاع غزة، وهو يعتقد أن المشكلة تكمن في وجود ما يصفه بـ "التمرّد " الفلسطيني، والذي يشير فيه إلى فصائل المقاومة الفلسطينية، وأن هذا "التمرّد" هو الذي يمنع الانتقال إلى لمرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، وأنه يتوجّب على دول العالم لا سيّما الجانب الأميركي ممارسة المزيد من الضغط من أجل إرغام "المتمردين" على تسليم سلاحهم بالكامل، وتنحّيهم عن لعب أي دور في مستقبل إدارة شؤون قطاع غزة، إلى جانب دعوته إلى ضرورة الإسراع في تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" لبسط سيطرتها على أراضي القطاع، في محاولة لاستنساخ تجربة قوات "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان، والتي لم تستطع حماية جنودها من عدوان الاحتلال، ناهيك بتوفير الأمن للسكّان المدنيين الذي يقتلهم العدو بصواريخه وقذائفه صباح مساء.

الدبلوماسي البلغاري يُنظر إليه في "إسرائيل" أيضاً بأنه يملك علاقة مميّزة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهي أي هذه العلاقة تساعد في تبنّي الرئيس ترامب للرواية الإسرائيلية بشكل كامل،حتى مع بعض الانتقادات العلنية التي تسعى لذر الرماد في العيون ليس أكثر، وأن  علاقة كهذه ستصب من دون أدنى شك في صالح إعفاء العدو الإسرائيلي من أي مسؤولية قد تراها معظم دول العالم السبب الرئيسي في تردّي الأوضاع الإنسانية والأمنية في قطاع غزة، وكذلك إمكانية عودة رحى الحرب إلى الدوران من جديد، وهو الأمر الذي يسعى إليه بشدّة رئيس وزراء العدو الملاحق جنائياً في الداخل والخارج، والذي يحاول من خلال الاستمرار في حروبه في غزة والإقليم تأخير مصير بات آتياً لا محالة، يمكن أن يُلقي به خلف قضبان السجون طوال السنوات المتبقّية من حياته. 

على كل حال، يمكننا الاعتقاد بأن ما يقوم به نيكولاي ميلادينوف من تحميل المقاومة في غزة مسؤولية تدهور الأوضاع، وتكرار الدعوة إلى سحب سلاحها حتى لا تذهب الأوضاع باتجاه الأسوأ، يمكننا الاعتقاد أن هذا الطلب يأتي في إطار التمهيد لعودة العدوان العسكري على غزة من جديد، وهو ما يمكن تلمّسه من خلال ارتفاع وتيرة الهجمات الإسرائيلية اليومية ضد المدنيين الفلسطينيين، والتي وصلت خلال الأسبوع الأخير إلى استهداف مربعات مدنية واسعة بعد تحذير ساكنيها، وهو ما أعاد شبح التهجير القسري الداخلي على أقل تقدير من جديد، وهو الأمر الذي يعتقد كثيرون أنه سيتوسّع خلال الأيام القادمة.

ومع أن هذا التطوّر الذي يقضّ مضجع مئات الآلاف من سكان القطاع الراغبين بمعظمهم في استمرار الأوضاع على ما هي عليه رغم معاناتهم من نقص شديد في احتياجاتهم الإنسانية والإغاثية، مفضّلين ذلك على عودة حرب الإبادة الجماعية التي دمّرت الأخضر واليابس، وحوّلت غزة الصغيرة والمحاصرة إلى منطقة غير صالحة للسكن، إلا أن البعض يرى أن بقاء الحال على ما هو عليه سيمنح العدو فرصة للاستمرار في جرائمه التي تتوسّع كل يوم من دون التعرّض لأي انتقادات دولية، ومن دون أن يتم حشر قادته المتطرفين في زاوية الملاحقة القضائية الدولية، والتي وإن لم تردعه سابقاً عن ارتكاب كل الجرائم والموبقات، إلا أنها جعلته منبوذاً ومطارداً في الكثير من دول العالم.

وعليه، فإن هناك رؤية باتت تنضج خلال الأسبوعين الأخيرين، وهي تتمحور حول إدخال تغيير نوعي على ردود أفعال المقاومة في غزة، قد تؤدي في بعض نتائجها إلى زيادة مستوى تدخّل الدول الضامنة والوسيطة، لا سيّما في حال الشعور بأن اتفاق العاشر من تشرين الأول/أكتوبر على وشك الانهيار، وهو الأمر الحادث فعلاً، إذ لم يتبقّ من هذا الاتفاق إلا اسمه، أما الجوهر فقد فرّغته "إسرائيل" من كل محتوياته، وجعلته مجرّد عنوان تغطّي به ما ترتكبه من جرائم.

في الثاني والعشرين من حزيران/يونيو من عام 2021، خرج الشهيد يحيي السنوار، رضوان الله عليه، من اجتماع ضمّه مع "تور وينسلاند" مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط، واصفاً الاجتماع حينها بـ "السيئ جدًا"، ومؤكداً فشله في إيجاد حلول قابلة للتنفيذ للأزمة الإنسانية في القطاع، ومتهماً الاحتلال بمحاولة ابتزاز المقاومة.

هذا التصريح الذي بدا صادماً للكثيرين في ذلك الوقت أدّى حينها إلى تفكيك بعض الأزمات، وإلى تغيير نسبي في تعاون المؤسسة الدولية مع مجريات الأمور في قطاع غزة، وهو الأمر الذي انعكس على تصرفات الاحتلال حينها.

في هذه المرة، ورغم اختلاف الأوضاع عما كان عليه الأمر قبل خمس سنوات، تسعى المقاومة إلى رفع درجة التحدّي للخروج من حالة المراوحة التي يشهدها قطاع غزة، خصوصاً على صعيد الوضع الإنساني، ومن أجل دفع العدو إلى إبداء بعض المرونة في ما يتعلّق بالعديد من الملفات.

صحيح أن هذا التغيير قد يدفع العدو إلى تصعيد إضافي في عدوانه وخروقاته، وصحيح أن الأوضاع في غزة لا تتحمّل المزيد من التدهور والانهيار، إلا أن اللجوء إلى مثل هذا الخيار قد يبدو مبرراً ومُستوعباً، حتى لا تبقى الأمور على حالها، وحتى يتم حرمان العدو من إحدى أهم أوراقه التي يناور بها، وهي ورقة تحقّق له نجاحات تكتيكية مميّزة، وتجنّبه في المقابل أي مساءلة أو ملاحقة قانونية وسياسية.

الأيام المقبلة قد تكون حاسمة لناحية حدوث انفراجة نسبية في مجمل الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، أو الذهاب نحو تصعيد إسرائيلي كبير قد يُدخل كل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار والذهاب نحو المجهول.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".