غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

اغتيال قيادات القسام في غزة.. قراءة في التوقيت!

أحمد عبد الرحمن
بقلم الكاتب: أحمد عبد الرحمن

من السذاجة الاعتقاد بأنّ عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتتالية التي استهدفت كبار قادة كتائب القسام في قطاع غزة قد تمّت نتيجة الحصول على ما يُطلق عليه في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بـ "المعلومة الذهبية"، وهو ما يُقصد به الحصول على معلومات حاسمة ومؤكّدة عن وجود هدف ما في منطقة محدّدة، وإمكانية أن تساهم هذه المعلومات في نجاح عملية الاستهداف بهامش خطأ قد يقترب من الصفر.

في عمليات الاستهداف الكبرى ذات الأبعاد الاستراتيجية من وجهة النظر الصهيونية، الأمر بحاجة إلى ما هو أكثر من معلومة ذهبية، أو حتى جملة من المعلومات المتقاطعة، والتي يمكن أن تؤدّي إلى الوصول لهدف أو مجموعة من الأهداف المطلوبة بنجاح تامّ، بل إنّ الأمر يتعدّى ذلك إلى الغوص في تفاصيل كثيرة منها التداعيات وردود الأفعال الناتجة عن هذه العمليات، والانعكاسات المتوقّعة سواء على الجهة المستهدفة أو الجهة التي تمّ استهدافها.

من التفاصيل الأخرى والتي تبدو أكثر أهمية من غيرها هو التوقيت الذي تتمّ فيه هذه العمليات، حيث يحظى عامل الوقت بأهمية استثنائية وبالغة الحساسية، بل ويمكن اعتباره كلمة الفصل في تنفيذ هذه العمليات من عدمه، لما يحظى به من تأثير مباشر على تحقيق جملة الأهداف المراد تحقيقها والوصول إليها.

في غضون العشرة أيام الأخيرة نفّذت "إسرائيل" مجموعة من عمليات الاغتيال "النوعية " وذات الوزن الثقيل، استهدفت في أولاها قائد أركان كتائب القسام في قطاع غزة الشهيد عز الدين الحداد، مُتبعةً ذلك بأخرى استهدفت قائد الأركان الجديد في الكتائب وقائد وحدة الاستخبارات فيها الشهيد محمد عودة، وصولاً إلى استهداف نائب مسؤول لواء غزة الشهيد عماد اسليم، والذي يشغل أيضاً منصب قائد كتيبة الزيتون، وهو الذي نجا خلال الشهور الأخيرة من عدة عملية اغتيال.

في مثل هذا النوع من العمليات والمُتوقّع استمرارها خلال الفترة المقبلة بحسب الكثير من التحليلات والمُعطيات، يتمّ العمل داخل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وفق طريقة النفس الطويل، والتي تعني القيام بمراقبة متواصلة وطويلة الأمد، وتعتمد على جمع المعلومات المتدحرج، والذي يوصل في النهاية إلى الحصول على "داتا" معلوماتية كاملة تجعل الوصول إلى الهدف مُتاحاً وممكناً في حال تمّ اتخاذ قرار التنفيذ من الجهات السياسية في "الدولة" العبرية، والتي باتت خلال رئاسة بنيامين نتنياهو تحديداً صاحبة الكلمة الفصل في القيام بمثل هذا النوع من العمليات.

بحسب بعض المعلومات المتواترة، فإنّ عمليات الاغتيال الأخيرة تمّت بعد تمكّن "جيش" الاحتلال وأجهزته الاستخبارية من الوصول إلى مرحلة من "السيطرة الاستخبارية" على الأهداف المطلوبة، تلا ذلك عمليات "إطباق جوي" مُحكم استمر لعدّة أيام، في انتظار صدور أوامر التنفيذ من الجهات السياسية في الحكومة الصهيونية. 

في مثل هذه الحالات لا يدرك الهدف أنّ مكانه قد كُشف، أو أنّ أحداثيات هذا المكان قد تمّ تحديدها بدقة من قِبل "جيش" العدو، وعدم الإدراك هذا يكون عادة نتيجة اعتقاد الهدف بأنه موجود في مكان آمن، وأنه لا يستخدم وسائل الاتصال السلكية واللاسلكية والإلكترونية بشكل نهائي، وأنّ كثافة التحليق الجوي لطيران الاستطلاع الإسرائيلي هو أمر روتيني، ولا علاقة له بهوية المكان الذي يوجد فيه، أو المحيط الذي يتحرّك داخل نطاقه.

بالإشارة إلى التحليق المكثّف لطائرات التجسّس الإسرائيلية في سماء القطاع فهو ينقسم إلى عدّة أقسام؛ منها التحليق الروتيني الذي يشمل في الأساس المناطق القريبة من الخط الأصفر، وهذا التحليق لا يتوقّف ليلاً أو نهاراً، ويتمّ في العادة عبر طائرات "هيرون" المختصة بالمراقبة الجوية. والقسم الثاني يتعلّق بمراقبة الاتصالات الهاتفية والإلكترونية، وهو يتركّز أكثر في المناطق الغربية لغزة، والتي تحوي بين جنباتها الكثافة السكانية الأكبر، ويوجد فيها كما يعتقد العدو قادة فصائل المقاومة، وفيها حدثت كلّ عمليات الاغتيال الأخيرة.

هناك قسم ثالث من عمليات التحليق الجوي لطيران الاستطلاع الإسرائيلي، وهو يتعلّق بشكل مباشر بتنفيذ عمليات الاغتيال أو تحضير البيئة المعلوماتية والعملياتيّة المناسبة لها، وفي الغالب تقوم به طائرات من نوع "هيرمس-"450 المتطوّرة، أو نسختها الأحدث والأكثر قدرة على التعقّب والملاحقة والاستهداف من طراز "هيرمس-900"، والتي تستخدم صواريخ من طرازات مختلفة، منها صواريخ جو-أرض من طراز "إيه جي إم- 114 هيلفاير"، وقنابل موجّهة بالليزر من نوع "جي بي يو-12 فايفواي"، وقنابل "جيدام".

بالعودة إلى التوقيت الذي تمّت فيه عمليات الاغتيال الأخيرة، يمكن لنا الإشارة إلى نقطتين مهمتين نعتقد أنهما شكّلتا عامل الحسم في اتخاذ قرار التنفيذ، ومن دون الحاجة إليهما لم يكن لمثل هذا النوع من العمليات أن يتمّ، أو على أقل تقدير بهذا الشكل من التتابع الزماني الملفت وغير المسبوق، وهو يشبه إلى حدٍّ بعيد عمليات الاغتيال التي تمّت في الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي تُوجّت باغتيال الأمين العامّ السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه.

النقطة الأولى تتعلّق بتعثّر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي يربطها العدو بمسألة نزع سلاح المقاومة في القطاع، مع أنه لم يلتزم من جانبه بمعظم ما نصّت عليه المرحلة الأولى من هذا الاتفاق الهشّ والمتداعي، والذي وصل نتيجة ثلاثة آلاف خرق إسرائيلي إلى نقطة حرجة للغاية قد تهدّد بانهياره بشكل كامل.

وبالتالي هناك رغبة إسرائيلية واضحة في تشديد الخناق على المقاومة في غزة، واستهداف أعمدتها الرئيسية من أجل دفعها لتقديم تنازلات في موضوع نزع السلاح حصراً، وهو موضوع توليه "الدولة" العبرية أهمية بالغة، وتعتبر تحقيقه شرطاً أساسياً من أجل إعلانها الانتصار الحاسم والنهائي على المقاومة في قطاع غزة.

النقطة الثانية وهي التي نراها أكثر أهمية هي تحضير مسرح العمليات في قطاع غزة من أجل العودة إلى مربّع حرب الإبادة الجماعية من جديد، وهذا الأمر وإن بدا واضحاً وجليّاً في استمرار الخروقات الإسرائيلية الفاضحة لاتفاق التهدئة، ولا سيّما من خلال توسيع المنطقة الصفراء لتقضم أكثر من 64% من مساحة القطاع، إلى جانب استمرار الحصار وإغلاق المعابر، وعمليات القصف المدفعي والجوي التي لا تتوقّف، إلّا أنه يبدو أكثر وضوحاً في عمليات الاغتيال الأخيرة، والتي يسعى من خلالها العدو إلى تفكيك البنية العسكرية الصلبة لفصائل المقاومة في غزة، وفي المقدّمة منها كتائب القسام، أو على أقلّ تقدير إضعافها إلى الحدّ الذي لا تستطيع فيه أن تحدّد خياراتها، أو أدواتها، أو تفعّل خططها الموضوعة مسبقاً في أيّ مواجهة واسعة مقبلة يعتقد الكثيرون أنها باتت قريبة.

على كلّ حال، يبدو أنّ هاجس عودة الحرب من جديد إلى القطاع الصغير والمدمّر والمنكوب ستصبح واقعاً عمّا قريب، وهذا الأمر لا تشير إليه عمليات الاغتيال فقط، بل هناك الكثير من المعطيات التي لا يتسّع المجال لذكرها والتي يمكن أن تؤدّي إلى النتيجة المُتوقّعة نفسها، والتي وإن كان كلّ أهالي القطاع الذين عانوا الأمرّين، وكابدوا مرارة الفقد وقلة ذات اليد طوال أكثر من عامين ونصف العام لا يرغبون فيها، إلا أنهم لم يعودوا يخشونها كما يتوقّع العدو وأبواقه وعملاؤه، بل إنّ سكان القطاع الذين وطّنوا أنفسهم على مواجهة كلّ الكوارث والمصاعب، باتوا ينظرون إلى أيّ تصعيد مقبل بأنه جزء من الضريبة التي يتوجّب عليهم دفعها في سبيل العيش بكرامة وحرية على أرضهم كباقي شعوب العالم، وهم في مسيرة الوصول إلى هذا الهدف مستعدّون لدفع كلّ الأثمان المطلوبة، وجاهزون لتقديم كلّ غالٍ ونفيس من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة والمحقّة.

صحيح أنّ القدرة على تحمّل الأعباء تحتاج إلى عزيمة وإرادة منقطعة النظير، وصحيح أنّ حالة الخذلان التي عايشها وما زال سكان القطاع لم يسبق لها مثيل في تجارب الشعوب النضالية والتحرّرية، إلا أنّ هذا الشعب بما يملك من إيمان، وبما يحمله من عقيدة قادر على تخطّي هذه المحنة، بل وتحويلها إلى منحة تقرّبه أكثر من يوم النصر الموعود، ذلك اليوم الذي نراه أقرب من أيّ وقت آخر رغم حجم الإحباط والخذلان، ورغم قساوة الصورة وضبابية المشهد.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".