تسابق حكومة الاحتلال الإسرائيلي الزمن قبل انتخابات "الكنيست" (البرلمان) المقررة غضون أربعة أشهر كحد أقصى، لاستكمال خطوة واسعة تهدف إلى "شرعنة" وتمويل بؤر استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، بعضها يقع في المنطقتين المصنفتين (أ) و (ب) وفق اتفاق أوسلو. وكجزء من هذه الخطوة، صدّقت الحكومة الأسبوع الماضي، عبر تصويت هاتفي عاجل، على تخصيص أكثر من 100 مليون شيكل لتخطيط هذه البؤر.
ويستهدف التحرك دعم وتثبيت مئات البؤر الاستيطانية التي أقامها مستوطنون من التنظيم الإرهابي المعروف باسم "شبيبة التلال"، والذي يقود منذ سنوات موجات عنيفة من الهجمات الإرهابية على الفلسطينيين، وتسبب بأكبر عملية تطهير عرقي في الضفة الغربية منذ عقود، بعد تهجير عشرات التجمعات تحت عمليات اعتداء وسرقة وقتل وترهيب يومي ضد التجمعات الضعيفة والمعزولة، بغطاء من الحكومة اليمينية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو والوزيرين المتطرفين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
وذكرت صحيفة "ذا ماركر" العبرية، التي نشرت التفاصيل اليوم الثلاثاء، أن الحكومة الإسرائيلية تخطط للتصديق على قرار إضافي، في الأيام القريبة، يخصص أكثر من مليار شيكل لإقامة هذه البؤر وتطويرها حتى قبل استكمال إجراءات "التسوية القانونية"، وذلك تحت مسمّى "مواقع مؤقتة".
وتضمّن القرار الذي اتخذته الحكومة الأسبوع الماضي، تحت العنوان التقني "تسوية تخطيطية للبلدات (أي المستوطنات)"، تخصيص 125 مليون شيكل لدفع "تسوية تخطيطية أولية" للبؤر الاستيطانية التي اتخذ المجلس الوزاري المصغّر للشؤون السياسية والأمنية (الكابنيت) قراراً بتسويتها قانونياً حتى ديسمبر/كانون الأول 2025.
وجاء في تفاصيل الخطة أنّ "هدف مقترح القرار هو دفع تسوية تخطيطية لعدد من البؤر التي سُوّي وضعها القانوني، وكذلك لبؤر أُقيمت أو يجرى فحص إقامتها، وفقاً لقرارات الكابنيت والحكومة، وفي ضوء سياسة الحكومة لتعزيز وتطوير الضواحي (الأطراف) وتعزيز النقب والجليل".
ولا يتضمن القرار تقريباً أسماء واضحة للبؤر الاستيطانية التي يفترض أن تستفيد من الميزانية، وما ذُكر منها بالاسم، يشكّل نحو 12 مليون شيكل فقط من المبلغ الكلّي، والمخصّص للنقب والجليل. وعليه، تشير الصحيفة إلى عملية تمويه، ذلك أن مسودة القرار التي وصلت إليها، تكشف قائمة كاملة بأسماء البؤر التي ستستفيد منه وعددها 69، العديد منها بؤر استيطانية ليست قائمة بعد. وتحتوي القائمة على عدد طويل من المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي صودق عليها في ديسمبر/كانون الأول 2025 في "الكابنيت"، وبعضها يقع داخل "جيوب معزولة" في المناطق (أ) و (ب). ولم يُنشر القرار للجمهور لعدة أشهر، في محاولة لإخفاء الخطوة عن المجتمع الدولي، إلى أن كُشف عنه في إبريل/ نيسان الماضي عبر القناة "آي 24" العبرية. وعلى سبيل المثال، تظهر في القائمة نحو 30 بؤرة لا تملك حتى رمزاً رسمياً، وهو الرمز الذي تمنحه دائرة الإحصاء المركزية عند اتخاذ قرار بإقامة تجمّع سكاني جديد. وتحمل نحو 20 من هذه البؤر أسماء مثل شاليم، وكاديم، وغانيم، وكيدا ومشعول، وهي جزء من قائمة المستوطنات التي صادقت عليها الحكومة في ديسمبر/كانون الأول 2025. وبالمجمل، جرت المصادقة على أكثر من 50 من هذه البؤر الاستيطانية في جلسات "الكابنيت" خلال عام 2025، وجميعها خلال ولاية الحكومة الحالية.
17 مبنى متنقّلاً لكل بؤرة استيطانية
ولفت التقرير العبري إلى أن تخصيص 125 مليون شيكل للتخطيط ليس سوى البداية، ففي الأسابيع الأخيرة، يعمل مقرّبو وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بالتنسيق مع مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، على بلورة قرار يقضي بتمويل إنشاء البؤر الاستيطانية بالتوازي مع مرحلة التخطيط، وحتى قبل استكمال إجراءات "تسويتها القانونية". وبحسب القرار الذي يجرى إعداده، ستُخصص مئات ملايين الشواكل لهذا الغرض، تشمل 15 مبنى متنقلاً لكل بؤرة استيطانية، إضافة إلى مبنيين للمؤسسات العامة فيها. ويحمل القرار المرتقب عنوان: "إقامة مواقع مؤقتة في البلدات التي تقرر إنشاؤها في المناطق الريفية في يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية)".
وستحوَّل الأموال إلى "قسم الاستيطان"، الذي سيعمل من خلال وزارة الاستيطان برئاسة الوزيرة أوريت ستروك، وذلك من أجل إقامة مواقع استيطانية مؤقتة ومبانٍ عامة في المناطق التي يُفترض أن تُقام فيها البؤر المُقرَّر إنشاؤها، بهدف توفير سكن مؤقت واستخدامه من قبل المستوطنين الذين يخططون لبناء منازلهم، أو يفكّرون في السكن الدائم في هذه البؤر، وذلك إلى حين إقامة المباني الدائمة.
وشمل القرار جميع البؤر التي تقرر إنشاؤها في سلسلة قرارات حكومية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك القرار الصادر في 11 ديسمبر/كانون الأول 2025. إضافة إلى ذلك، سيخصّص قرار الحكومة الذي يجري بلورته مئات ملايين الشواكل للبنى التحتية، التي ستقيمها وزارة البناء والإسكان خلال السنوات الثلاث المقبلة، ولاستكمال تخطيط وتسوية البؤر الاستيطانية. ويخصّص القرار أيضاً ملايين الشواكل لـ"مرافقين مجتمعيين" ولتدريبهم، "من أجل مرافقة النواة الاستيطانية الأولية التي جرى تشكيلها في كل واحد من المواقع المؤقتة".
وتنضم تسوية البؤر الاستيطانية وتمويلها، إلى سلسلة خطوات تهدف إلى تعزيز مكانة سموتريتش رئيس حزب الصهيونية الدينية، لدى جمهوره الانتخابي مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية. ففي الأسبوع الماضي، صادقت الهيئة العامة للكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة على مشروع القانون الذي قدّمه عضو حزبه، تسفي سوكوت، والذي يمنح امتيازاً ضريبياً خاصاً للمستوطنين في 58 مستوطنة، بتكلفة تقدَّر بنحو 130 مليون شيكل سنوياً. وفي مايو/أيار المنصرم، نجح سموتريتش في المصادقة على تخصيص أكثر من مليار شيكل لشقّ طرق تخدم مستوطنات جديدة. وإذا نجح سموتريتش في تمرير القرار الذي يخصّص مليار شيكل لإقامة البؤر الاستيطانية قبل استكمال تسويتها وتخطيطها، عندها يكون قد استكمل مساراً "رباعيّ الأضلاع"، على حد وصف الصحيفة، يقوم على تمويل البنى التحتية للبؤر الاستيطانية، وتمويل شقّ الطرق، وتمويل التخطيط لإقامة مستوطنات دائمة، وكل ذلك مع امتياز ضريبي سخيّ للمستوطنين.
