تقرير: رفيدة عطايا
تتسع دائرة المقاطعة الدولية لـ "إسرائيل" يوماً بعد يوم، في خطوة يراها مؤيدوها والقائمين عليها وسيلة ضغط فعالة لعزلها سياسياً واقتصادياً وأكاديمياً على الساحة العالمية. ومع تزايد الإنجازات التي حققتها حملات المقاطعة في مختلف المجالات، ما زالت تُعد سلاحاً قوياً في مواجهة الاحتلال على كافة الجبهات، وسط مخاوف "إسرائيلية" متنامية من تداعياته وتأثيره المتصاعد.
"قاطعوا ما استطعتم إليه سبيلاً"...
بهذه العبارة اختصر الدكتور عبد الملك سكرية، رئيس الجمعية الوطنية لمقاومة التطبيع، سنوات طويلة من العمل في واحدة من أكثر ساحات المواجهة تعقيدًا وحساسية؛ ساحة المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والثقافية.
فمنذ أكثر من عقدين، ينشط المناضل الأممي البارز في حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" بمسارٍ نضالي سعى من خلاله إلى تحويل المقاطعة من موقفٍ فردي محدود التأثير إلى أداة ضغط جماعية قادرة على إحداث أثر سياسي وثقافي واقتصادي يتجاوز الحدود.
لم يقتصر نشاط سكرية على الدعوة النظرية إلى المقاطعة، بل امتد إلى خوض معارك ثقافية وإعلامية مباشرة ضد محاولات التطبيع، كان أبرزها دوره في الضغط لمنع عرض أعمال سينمائية مرتبطة بـ"إسرائيل" في لبنان وعدد من الدول العربية، إلى جانب حملات استهدفت فنانين وشخصيات عالمية سبق أن دعمت الاحتلال أو شاركت في فعاليات داخل الكيان الصهيوني.
وقد بلغت أصداء هذه التحركات حدًّا دفع وسائل إعلام إسرائيلية إلى تناول اسمه بشكل مباشر، على خلفية نجاح حملات المقاطعة في تعطيل عروض فنية وسينمائية كان يعوَّل عليها أن تستخدم ضمن أدوات القوة الناعمة لتحسين صورة الاحتلال. وهو ما يعتبره سكرية دليلاً على أن المقاطعة لم تعد مجرد شعار احتجاجي، بل تحولت إلى فعل قادر على إرباك الخصم وفرض نفسه على أجندة النقاش العام.
المقاطعة من الفكرة إلى الفعل...
يستحضر سكرية بدايات التحرك المنظم للمقاطعة، حين تأسست حملة مقاطعة داعمي "إسرائيل" في مطلع الألفية الثانية، ومنذ ذلك الحين، توسعت أدوات العمل لتشمل حملات توعية، وندوات، ومحاضرات في الجامعات والمنتديات الثقافية، داخل لبنان وخارجه.
وبحسب ما يورده في حديثه، فإن تأثير هذه الحملات لم يبقَ نظريًّا، بل ترجم إلى خطوات عملية ملموسة، أدت، على سبيل المثال لا الحصر، إلى الضغط لمنع عقد مؤتمرات، أو عروض مسرحية وسينمائية، أو إقامة حفلات لفنانين عالميين سبق أن قدموا عروضًا، أو اتخذوا مواقف، مؤيدة لـ"إسرائيل" أو لسياساتها العدوانية.
يقول سكرية: "نحن منعنا العديد من الأفلام الأميركية... وإذا كان بطل الفيلم، أو مخرجه، أو منتجه، "إسرائيليًّا"، تم منع عرضه في لبنان، وكذلك في بعض الدول العربية عبر نشطاء. ومنعنا مغنين وفنانين عالميين من إحياء حفلات في لبنان، لأنهم سبق أن قدموا عروضًا في الكيان الصهيوني، أو أشادوا به".
هذا التراكم المهم في أعمال المقاطعة لم يمر مرور الكرام، بل استدعى تناوله في الإعلام العبري، ووصل إلى حدّ أن وسائل إعلام العدو الصهيوني نفسها اعترفت بتأثيره، حيث أُشير إلى اسم د. عبد الملك سكرية في تقارير صحافية عبرية، كنا قد تابعناها في حينه.
حين يصبح الاقتصاد ساحة مواجهة
يؤكد سكرية أن المقاطعة ليست مجرد خيار اقتصادي، بل "سلاح مدني" متاح للجميع، ولا سيما لمن لا يملكون أدوات المواجهة التقليدية، مشيراً إلى أن"المقاطعة هي أضعف أنواع السلاح من حيث الشكل، لكنها الأقوى من حيث التأثير التراكمي". كما يربط بين المقاطعة، وبين فكرة "تجفيف مصادر الدعم غير المباشر للعدو"، من خلال إعادة توجيه الاستهلاك، بعيدًا عن الشركات التي ترتبط، بشكل أو بآخر، بمنظومات سياسية أو عسكرية داعمة للاحتلال.
وهو يذهب أبعد من ذلك، حين يعتبر أن المقاطعة ليست أداة ضغط فحسب، بل هي فعل وعي أيضًا، يضع المستهلك أمام مسؤولية أخلاقية تتعلق بما يشتريه ويستهلكه. ويضيف: "أنت في السوبرماركت لا أحد يستطيع أن يسألك لماذا لم تشترِ هذه السلعة؟!... هذا قرارك الخاص، لكنه في المحصلة جزء من معركة كبرى".
ويؤكد على أن الفعل الفردي، رغم بساطته، يتحول إلى قوة ضغط حين يتكرر جماعيًّا. فقرار استهلاك واحد قد يبدو بلا أثر، لكنه يتحول إلى عامل تغيير عندما يتبناه الآلاف أو الملايين من المستهلكين ضمن سلوك يومي متكرر، "إذا كنت وحدك فتأثيرك محدود، لكن إذا كنت مع ألف، ثم مع مئة ألف... يصبح الأثر الاقتصادي حقيقيًّا".
المقاطعة تدفع نحو صعود البدائل المحلية
التصور الذي عرضه سكرية يتقاطع مع آراء ناشطين في حملات المقاطعة عبر العالم العربي. التونسية مريم مفتاح التي تنشط في الشبكة التونسية للتصدي لمنظومة التطبيع، ترى من ناحيتها أن "المقاطعة لا تُقارن بالمقاومة المسلحة، لكنها وسيلة سلمية فعالة جدًّا في مواجهة الصهيونية الداعمة للاحتلال"، معتبرة أن أهميتها تكمن في كونها "السلاح الأبرز في يد المناضلين غير المسلحين"، فضلاً عن دورها في محاصرة الاحتلال اقتصاديًّا وثقافيًّا.
وتشير مريم إلى أن المقاطعة لا تقتصر على الضغط على الشركات المستهدفة، بل تفتح المجال أيضًا أمام نمو البدائل المحلية والوطنية، لافتة إلى أن السوق التونسية شهدت خلال السنوات الأخيرة صعود شركات ومنتجات محلية توسعت بشكل ملحوظ بعد تنامي حملات المقاطعة، الأمر الذي انعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي وخلق فرص جديدة أمام المنتجين الوطنيين.
الجبهة الرقمية وتحوّل الوعي
مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، انتقلت حملات المقاطعة من النشاط التقليدي إلى فضاء أكثر اتساعًا وتأثيرًا. يشير سكرية إلى أن هذا التحول كسر احتكار السردية الإعلامية التقليدية، وسمح بنقل روايات مختلفة إلى الجمهور العالمي، خاصة في الغرب، حيث سادت الصورة الأحادية لعقود. ويقول: "الإعلام في معظمه ليس محايدًا، وكثير منه يعمل لصالح العدو، بينما مواقع التواصل الاجتماعي كسرت هذا الاحتكار، وسمحت بوصول الرواية الأخرى".
وفي ما يتعلق بالمغتربين، يرفض سكرية فكرة العجز التي تُطرح أحيانًا، قائلاً: "المقاطعة ليست موقفًا سياسيًّا فقط، بل اختبار إرادة". وفي هذا السياق، يرى أن نشطاء المقاطعة في الخارج لا يقومون بدور استهلاكي فحسب، بل يتحولون إلى "حملة رواية مضادة" تشرح السياق، وتعيد تفكيك الخطاب السائد، وتواجه ما يعتبره "سردية إعلامية متجذرة". هذا الدور، وفق سكرية، يجعل من المقاطعة امتدادًا لنضال ثقافي ومعرفي، وليس مجرد سلوك استهلاكي، مؤكدًا أنه: "حتى لو كنت تعيش في الغرب، عليك أن تكون جزءًا من نقل الحقيقة، وأن تتحول إلى حامل رواية، لا مجرد متلقٍ لها. وبعض الأوروبيين والأمريكيين أنفسهم بدأوا بالمقاطعة... فلا يجوز أن يكون الغربي أحرص من العربي على هذه القضية".
المقاطعة الاقتصادية... أداة ضغط تتجاوز الرمزية
المنسق العام لحملة "قاطع" العالمية، أنس إبراهيم بدوره يعتبر أن المقاطعة الاقتصادية تمثل واحدة من أكثر أدوات الضغط المدني فعالية، خاصة للشعوب التي لا تمتلك وسائل التأثير السياسي أو العسكري المباشر. ويقول: "المقاطعة ليست مجرد موقف رمزي، بل وسيلة ضغط حقيقية تتراكم آثارها مع الوقت واتساع المشاركة فيها".
ويلفت إبراهيم إلى أن أهمية المقاطعة تتجلى في كونها تستهدف رفع الكلفة الاقتصادية والأخلاقية والسياسية لدعم الاحتلال، مشيرًا إلى أن المؤسسات الإسرائيلية نفسها تنظر إلى حملات المقاطعة بوصفها أحد أبرز التحديات التي تواجهها على المستوى الدولي. كما يؤكد أن تأثير المقاطعة لم يعد نظريًّا، بل ظهر في تراجع أداء عدد من الشركات المستهدفة، وفي اضطرار بعضها إلى إطلاق حملات دعائية مكثفة للدفاع عن صورتها واستعادة ثقة المستهلكين.
المقاطعة كمسار طويل الأمد يتجاوز اللحظة الراهنة
ويقدم عبد الملك سكرية، رئيس الجمعية الوطنية لمقاومة التطبيع، في ختام حديثه، رؤيةً تتجاوز اللحظة الراهنة. إذ يؤكد أن المقاطعة ليست رد فعل ظرفي بل "مسار طويل الأمد"، وأن أثرها يتراكم ببطء، لكنه يترك بصمته في البنية الاقتصادية والثقافية العالمية. فإن قوة هذا الفعل لا تكمن في ضجيجه، بل في استمراريته، مشيرًا إلى أن: "ما يحدث اليوم يشبه ما جرى في جنوب أفريقيا خلال مواجهة نظام الفصل العنصري... حين تحوّلت المقاطعة إلى رأي عام عالمي ضغط على الحكومات.
ويضيف قائلاً: "هذا السلاح، رغم بساطته، هو الذي يمكنك أن تستخدمه وأنت في موقعك كمواطن... من دون خوف، ومن دون تكلفة، لكنه يترك أثرًا حقيقيًّا". بهذا المعنى، يتحول الفعل الفردي الصغير إلى جزء من مشهد أوسع، حيث لا تُقاس القوة فقط بما يُقال في السياسة، بل بما يُمتنع عن شرائه، وبما يُسحب بهدوء من دوائر الاستهلاك اليومية، أيضًا. فهذا السلاح، كما يقول سكرية: "يتكامل مع أوجه المقاومة الأخرى ويؤازرها، ويسهم في بناء المقاومة الشاملة".
وفي حين يركز سكرية على البعد النضالي والثقافي للمقاطعة، يلفت إبراهيم إلى جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التحول الذي أحدثته في وعي المستهلك نفسه. ويقول: لم يعد قرار الشراء مرتبطًا بالسعر والجودة فقط، بل أصبح يرتبط أيضًا بالسؤال عن الجهات المستفيدة من الأرباح وطبيعة مواقفها وعلاقاتها، مؤكداً أن المقاطعة أسهمت في بناء ثقافة استهلاكية أكثر وعيًا ومسؤولية، وحوّلت الإنفاق اليومي إلى موقف أخلاقي ينسجم مع قناعات الأفراد وقضاياهم.
