في خيمةٍ متهالكة وسط ركام النزوح وأصوات الحرب المتواصلة في غزة، يجلس لؤي صبح "أبو بكر" بين أطفاله، محاولًا أن يرسم ملامحهم في ذاكرته بعدما فقد بصره تمامًا. لا يرى وجوههم التي اشتاق إليها، ولا زوجته التي كانت عينه وسنده في الحياة، تلك التي باتت اليوم بدورها تصارع مرض السرطان.
لم تكن الحرب رحيمة به. فقد أصيب إصابات بالغة أفقدته بصره، وتسببت له بشلل في يده اليسرى، إضافة إلى شظايا استقرت في جسده، لتتحول حياته إلى ظلام دائم. لكن المأساة لم تتوقف عنده، بل امتدت إلى زوجته "أم بكر" التي كانت عكازه الوحيد في مواجهة الحياة اليومية، قبل أن يُكتشف إصابتها بالسرطان.
اليوم، تعيش الأسرة في معركة مزدوجة قاسية: زوج كفيف يعتمد على من يقوده، وزوجة مريضة تحتاج إلى من يرعاها، وبينهما أطفال صغار يحاولون أن يحملوا فوق أعمارهم أعباءً أكبر من طاقتهم.
يروي أبو بكر تفاصيل اللحظة التي غيّرت حياته بالكامل، حين كان مع عائلته يغادر منزله متجهًا إلى إحدى مدارس الأونروا بعد طلب النزوح إلى منطقة وُصفت بالآمنة. يقول: "بمجرد ما وقع القصف حسّيت الدنيا كلها صارت ليل. فتحت عيني وما شفتش أي إشي. فقدت بصري على الفور."
ظل ينزف لساعات طويلة نتيجة صعوبة وصول الإسعاف إلى المكان، قبل أن يُنقل إلى المستشفى حيث خضع لعمليات جراحية متعددة. ولم تقتصر إصاباته على العينين، بل شملت الرأس والصدر، إضافة إلى شلل في يده اليسرى، قبل أن يتم لاحقًا تفريغ العينين وتركيب عدسات تجميلية.
وبعد شهور من العلاج، كان يحلم بلقاء عائلته التي بقيت في شمال القطاع بينما كان هو في الجنوب. وعندما حانت لحظة اللقاء، خرج لاستقبالهم بفرح كبير، لكن النهاية كانت مأساوية. يقول: "رحت أستقبل أولادي وزوجتي، وبدل ما أضمهم، استهدفوا المكان اللي كنت فيه."
أصيب حينها بشظايا خطيرة بين القلب والرئتين، إضافة إلى كسور في الأضلاع، ودخل العناية المركزة لأكثر من عشرة أيام، مضيفًا: "كنت رايح أستقبل أهلي... وفجأة صرت من بين المصابين وعلى سرير العناية المركزة."
في حياته اليومية، كانت زوجته أم بكر هي عينيه التي يرى بها العالم؛ تساعده على الحركة، وترافقه في تفاصيله اليومية، وتعتني بالأطفال والمنزل. لكنها اليوم، وبعد إصابتها بالسرطان، أصبحت بحاجة لمن يرعاها هي الأخرى.
يقول أبو بكر بحرقة: "كنت أعتمد عليها في كل شيء، واليوم هي نفسها بحاجة لمن يعينها." وهكذا وجدت الأسرة نفسها أمام واقع أكثر قسوة، حيث يتقاطع المرض مع الإعاقة والفقر والنزوح.
وفي ظل هذا الوضع، تحمّل الأطفال مسؤوليات تفوق أعمارهم، إذ يساعدون والدهم في التنقل وقضاء احتياجاته، ويحاولون رعاية والدتهم المريضة. ويقول: "أطفالي صاروا يطلعوا على مكبات النفايات يدوروا على أي خضرة أو أي حاجة ممكن نأكلها."
ويضيف: "أنا ممكن أتحمل الجوع، لكن لما أشوف أولادي مش لاقيين لقمة يأكلوها، هذا هو الوجع الحقيقي."
تعيش العائلة اليوم داخل خيمة لا تصلح للعيش، في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الصحية، وسط الحشرات والقوارض وتراكم النفايات. ويؤكد أبو بكر أن هذه الظروف لا تناسب حالته الصحية أو مرض زوجته، كما أن العدسات التي يعتمد عليها تحتاج إلى متابعة وتبديل غير متوفرين في ظل الظروف الحالية.
ولا تقتصر المعاناة على الجوانب الصحية، بل تمتد إلى غياب العلاج وتكاليفه الباهظة، في ظل انعدام الدخل وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية. ويختصر أبو بكر وضعه بقوله: "أنا بحاجة لعلاج، وزوجتي بحاجة لعلاج، وأطفالي بحاجة لحياة كريمة."
قصة أبو بكر ليست مجرد حكاية إصابة في الحرب، بل مأساة أسرة كاملة تقف على حافة البقاء؛ أب فقد بصره وقدرته على العمل، وأم تصارع السرطان، وأطفال يحملون عبء الحياة بدلًا من طفولتهم.
وفي نهاية حديثه، يوجه نداءً موجعًا: "أنا مش طالب المستحيل... كل اللي بتمناه إن أولادي يعيشوا حياة كريمة، وإن زوجتي تلاقي علاجها، وإن ألاقي حد يمد إيده إلنا قبل ما تضيع الأسرة كلها تحت ثقل المرض والحرب والنزوح."
