في الوقت الذي ينتظر فيه الناس حلول الليل لينعموا بقسط من الراحة بعد يوم طويل، تتحول ساعات الظلام بالنسبة لآلاء العبسي إلى كابوس يومي لا ينتهي؛ فالأم البالغة من العمر 27 عاماً، والتي تعيش مع أسرتها المكونة من أربعة أفراد في أحد مراكز الإيواء شمال قطاع غزة، تجد نفسها في مواجهة معركة مختلفة كل ليلة؛ معركة عنوانها الخوف على أطفالها من الجرذان والعِرس التي باتت تشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية.
تقول آلاء: "إن المكان الذي تعيش فيه يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فلا طعام آمن، ولا مياه نظيفة، ولا حتى ملابس وأغطية يمكن الحفاظ عليها من القوارض التي تهاجم كل شيء.
ومنذ بداية الحرب فقدت آلاء معظم ممتلكاتها مرات عديدة، وكانت تضطر في كل مرة إلى البدء من الصفر ومحاولة توفير الاحتياجات الأساسية لعائلتها من جديد.
وتصف واقعها قائلة إن الجرذان والعرس لم تعد مجرد حيوانات تتسلل إلى المكان، بل أصبحت جزءاً من يوميات الأسرة بشكل مرعب؛ فكل ليلة تقريباً تعيش العائلة حالة استنفار خوفاً من وصول هذه القوارض إلى الأطفال أثناء نومهم، وتؤكد أن أكبر هواجسها يتمثل في تعرض بناتها للعض أو الإصابة بالأمراض التي تنقلها تلك الحيوانات.
قبل فترة قصيرة، دخلت إحدى بناتها المستشفى بسبب إصابتها بفيروس، وأخبرها الأطباء أن القوارض قد تكون سبباً محتملاً لبعض الأمراض المنتشرة في بيئات النزوح، ومنذ ذلك الوقت تضاعف خوفها على أطفالها.
وتروي آلاء حادثة لا تغيب عن ذاكرتها، حين استيقظت ذات ليلة لتجد عِرسة على مسافة لا تتجاوز نصف متر من طفلتها النائمة. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد تعرف معنى النوم الهادئ.
تقول: "أصبحت أخاف من كل حركة وكل صوت في الليل، وأبقى أراقب البنات طوال الوقت".
ولأن الخطر يتجدد كل ليلة، لجأت الأسرة إلى نظام خاص للحماية؛ نوبات سهر متواصلة بين أفراد العائلة؛ فبينما ينام أحدهم، يبقى الآخر مستيقظاً لمراقبة المكان والتأكد من عدم اقتراب الجرذان أو العرس من الأطفال.
وتوضح آلاء أن هذه النوبات أصبحت جزءاً من حياتهم اليومية، حتى أن النوم المتواصل لساعات بات حلماً بعيد المنال.
وتضيف أن بناتها أصبحن يعشن حالة خوف دائمة، فبمجرد سماع أي حركة أو صوت يبدأن بالصراخ والاستنجاد بها، ورغم أنها تحاول التظاهر بالقوة أمامهن وطمأنتهن، إلا أنها تعترف بأنها أكثر خوفاً منهن في كثير من الأحيان.
ومن المواقف التي تكشف حجم المعاناة، تروي أن طفلتها الصغيرة نامت ذات ليلة وهي تخفي قطعة بسكويت تحت وسادتها خوفاً من أن تأكلها الجرذان، وعندما استيقظوا صباحاً وجدوا البسكويت قد أُكل بالكامل تقريباً، في مشهد ترك أثراً نفسياً كبيراً لدى الأسرة.
ولا تقتصر الخسائر على الطعام فقط، فالقوارض تهاجم الملابس والأغطية وكل ما يمكن الوصول إليه، وتقول آلاء إنها كثيراً ما تضطر إلى التخلص من ملابس تمزقت بالكامل بسبب الجرذان، رغم صعوبة توفير بدائل في ظل الظروف الحالية.
أما الليل، الذي يفترض أن يكون وقتاً للراحة، فقد تحول بالنسبة لها إلى مصدر للرعب، تقول: "أكره الليل، الناس تنتظره لترتاح، أما أنا فأنتظر طلوع الصبح، كلما حل الظلام أشعر أن المعركة بدأت من جديد".
ورغم محاولاتها المتكررة لإغلاق المكان وسد الفتحات المتاحة، إلا أن الظروف المعيشية الصعبة تحول دون ذلك، استخدمت أبواب ثلاجات قديمة وقطعاً معدنية وأوزاناً ثقيلة لإغلاق المداخل، لكنها تؤكد أن القوارض تجد دائماً طريقاً للعبور.
كما أن محاولات القضاء عليها باستخدام السموم والمصائد لم تحقق نتائج حقيقية؛ فكل يوم تضطر لشراء المزيد من السموم رغم تكلفتها المرتفعة بالنسبة لها، لكن أعداد الجرذان لا تتراجع، بل تبدو وكأنها تتزايد باستمرار.
وأمام هذا الواقع، تعيش الأسرة حالة من الإرهاق المزمن بسبب قلة النوم والتوتر الدائم، وتقول آلاء: "إن السهر المتواصل أثر بشكل مباشر على صحتها، حتى أنها باتت تتابع علاجاً لضغط العين الذي تفاقم نتيجة القلق والإجهاد المستمر".
ورغم كل ما مرت به خلال الحرب من نزوح وخسائر وحرمان، تؤكد أن أكثر ما يؤلمها اليوم هو شعورها بالعجز أمام خوف أطفالها. فكل ما تريده ليس رفاهية أو حياة مرفهة، بل أمراً بسيطاً للغاية: أن ينام أطفالها ليلة واحدة دون خوف.
وتختتم حديثها بصوت يختلط فيه التعب بالأمل قائلة: "مش طالبة شيء كبير، نفسي بناتي يناموا بأمان، من غير ما يصحوا مفزوعين، ومن غير ما نضطر نسهر طول الليل نحرسهم، حلمي الوحيد إنه يكون عندنا مكان مغلق وآمن يحميهم من هالجرذان والعرس، يمكن وقتها نعرف معنى الراحة من جديد".
