في الوقت الذي كان يُفترض أن يحظى فيه الطبيب الفلسطيني الدكتور حسام أبو صفية بالتكريم والتقدير على سنوات طويلة قضاها في إنقاذ حياة الأطفال والمرضى في شمال قطاع غزة، يجد نفسه اليوم خلف قضبان السجون، يعاني ظروفاً قاسية وسط تدهور مستمر في وضعه الصحي.
ومع انتظار أي خبر يبعث الأمل بقرب الإفراج عنه، جاء قرار الاحتلال الإسرائيلي بتجديد اعتقاله الإداري بالأمس ليضيف فصلاً جديداً من معاناة يعيشها هو وعائلته منذ لحظة اعتقاله من داخل مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة.
وتزداد مخاوف عائلته وزملائه مع كل تجديد للاعتقال الإداري، من أن يتحول الصمت الدولي إلى شريك في معاناة طبيب كرّس حياته للإنسانية، ولم يغادر موقعه في المستشفى رغم القصف والحصار والتهديدات المتكررة.
لم يكن الدكتور حسام مجرد مدير لمستشفى أو طبيب أطفال يؤدي واجبه المهني فحسب، بل تحول خلال الحرب إلى رمز للصمود الطبي والإنساني، بعدما اختار البقاء في المستشفى رغم كل المخاطر.
فقد ظل داخل المستشفى خلال القصف والحصار، ورفض مغادرة المرضى والأطفال الخدّج والجرحى، حتى بعد إصابته واستشهاد نجله إبراهيم أمام عينيه. كان يدرك حجم الخطر الذي يحيط به، لكنه كان يرى أن مسؤوليته تجاه مرضاه تفوق أي خوف شخصي.
الصورة الأخيرة التي ظهر فيها الدكتور حسام أثارت صدمة واسعة لدى كل من عرفه أو تابع مسيرته. فقد بدت علامات الإرهاق والهزال واضحة على وجه الرجل الذي اعتاد الجميع رؤيته واقفاً بين المرضى والجرحى، لا يغادر المستشفى إلا ليعود إليه.
كما أن الصورة التي خرجت من داخل السجن أظهرت بوضوح حجم التغير الذي طرأ على ملامحه وجسده، لتتحول إلى شهادة صادمة على أشهر طويلة من المعاناة والحرمان، بحسب ما تؤكده عائلته وزملاؤه وعدد من الأسرى المحررين الذين التقوا به خلال فترة اعتقاله.
في هذه الشهادات، تتحدث شقيقته سناء أبو صفية بحرقة الأخت التي رأت شقيقها يتحول من طبيب يداوي الناس إلى أسير يحتاج إلى من يداويه، بينما يروي شقيقه تفاصيل من قصة الصمود داخل مستشفى كمال عدوان، ويقدم الناطق باسم المستشفى وسام السكني شهادة مباشرة عن لحظات الاعتقال وما رافقها من أحداث، لتكتمل صورة رجل اختار البقاء إلى جانب مرضاه حتى اللحظة الأخيرة.
وبينما تتوالى الروايات من الذين عاشوا معه تفاصيل الحرب والاعتقال، تتكشف ملامح قصة طبيب لم يترك مرضاه حتى في أحلك الظروف، فكان جزاؤه الاعتقال وما تبعه من معاناة.
تقول سناء أبو صفية، شقيقة الدكتور حسام، إن الصورة الأخيرة التي شاهدتها عن أخيها كانت صادمة إلى حد يفوق الوصف، مضيفة: “عندما رأيت الصورة شعرت أنني لا أعرف أخي”.
وتتابع أن العائلة لم تكن بحاجة إلى تقارير أو روايات لتدرك حجم المعاناة التي يعيشها داخل السجن، فالصورة وحدها كانت كافية لتكشف ما لا يمكن للكلمات أن تصفه.
وتشير إلى أن شقيقها بدا في الصورة مختلفاً تماماً عمّا كان عليه قبل الاعتقال، مؤكدة أن العائلة كانت تتلقى عبر المحامين معلومات عن تدهور حالته الصحية، من مشاكل في النظر وآلام جسدية وأمراض جلدية، إلا أن الصورة جاءت لتؤكد حجم المأساة بشكل أوضح.
وتستعيد سناء سنوات الحرب في مستشفى كمال عدوان، حيث بقي شقيقها على رأس عمله رغم القصف المستمر والخطر الدائم، مؤكدة أنه كان يرى أن مغادرته تعني انهيار الخدمة الطبية عن مئات الجرحى والمرضى.
وتضيف أنه لم يغادر المستشفى حتى بعد استشهاد نجله إبراهيم أمام عينيه، إذ اضطر إلى دفنه داخل ساحة المستشفى قبل أن يعود مباشرة إلى عمله، في مشهد ترك أثراً عميقاً في كل من عرفه.
وتؤكد أن ما قام به خلال الحرب يمثل نموذجاً نادراً في التفاني الإنساني، وأن الصورة الأخيرة جاءت لتثبت صحة كل ما كانت تسمعه العائلة من تحذيرات وقلق مستمر عبر المحامين.
وتقول أيضاً: “كان المحامي يخبرنا أنه يعاني من مشاكل في النظر وأمراض جلدية وتدهور واضح في حالته، لكن الصورة أكدت لنا الحقيقة كاملة”.
وتستعيد سناء لحظات شخصية مؤثرة، حين كانت تحاول زيارة شقيقها في المستشفى لرؤيته، لكنها كثيراً ما كانت تعود دون أن تتمكن من لقائه بسبب انشغاله الدائم بالمرضى.
وتتابع: “كان يعيش في المستشفى أكثر مما يعيش مع عائلته، وكان يعتبر أن واجبه تجاه الأطفال والجرحى أهم من أي شيء آخر”.
وتشير إلى أنه كان سنداً نفسياً للأطباء والممرضين، لا يكتفي بعلاج المرضى بل يواسي زملاءه أيضاً، ويحتضن العائلات المنكوبة ويخفف عن الأطفال.
وتتوقف عند لحظة استشهاد نجله إبراهيم، مؤكدة أن تلك اللحظة كانت من أصعب ما يمكن أن يمر به أي أب، ورغم ذلك لم يترك عمله، بل واصل أداء واجبه دون توقف.
وتضيف: “دفن ابنه داخل ساحة المستشفى ثم عاد مباشرة إلى المرضى، وكأن الألم الشخصي لم يكن كافياً لإبعاده عن رسالته”.
وتؤكد أن العائلة لا تزال تسأل السؤال ذاته: ما هي جريمة حسام؟ فهو لم يُعتقل من ساحة قتال، بل من داخل مستشفى كان يؤدي فيه واجبه الإنساني.
وفي ختام حديثها، توجه نداءً إلى العالم للتحرك من أجل الإفراج عنه، مؤكدة أنه لا يستحق هذا المصير بعد كل ما قدمه من تضحيات.
من جهته، يؤكد شقيقه أن الدكتور حسام رفض مغادرة المستشفى مراراً رغم محاولات الاحتلال خلال الحرب لإجباره على الخروج، مشيراً إلى أنه كان يصر على البقاء إلى جانب المرضى والأطفال الخدّج حتى النهاية.
ويضيف أن استشهاد نجله لم يغير من قراره، بل زاده إصراراً على مواصلة عمله، كما أن إصابته خلال الحرب لم تمنعه من متابعة مهامه رغم معاناته.
كما يشير إلى أن شهادات أسرى محررين التقوا به داخل السجون أكدت تعرضه لظروف صحية ونفسية صعبة، لكنه رغم ذلك كان يقدم المساعدة الطبية للأسرى الآخرين، حتى أُطلق عليه بينهم لقب “أبو المرضى”.
ويختم حديثه بمناشدة المجتمع الدولي التدخل العاجل قبل فوات الأوان، في ظل استمرار تدهور وضعه الصحي.
أما الناطق باسم مستشفى كمال عدوان وسام السكني، الذي اعتُقل برفقته، فيروي تفاصيل الأيام الأخيرة داخل المستشفى، مؤكداً أن الطواقم الطبية كانت تعمل في ظروف استثنائية تحت القصف والاستهداف المتواصل.
ويضيف أن عملية الاعتقال تمت بعد حصار طويل، حيث جرى تقييد المعتقلين لساعات في ظروف قاسية، وسط إهانات وسوء معاملة.
ويؤكد أن الدكتور حسام كان يشارك ما يتوفر من طعام وإمكانات مع المرضى والطواقم، ويضع احتياجات الأطفال والجرحى فوق أي اعتبار.
كما يشير إلى أن سياسة عزل المعتقلين كانت تهدف إلى تفريق الكوادر الطبية ومنعهم من التواصل، ما زاد من قسوة التجربة.
ويؤكد أن الصورة الأخيرة للدكتور حسام تعكس بوضوح حجم الإنهاك والتدهور الصحي الذي أصابه خلال فترة الاعتقال.
وبين أروقة مستشفى كمال عدوان وزنازين العزل، تمتد حكاية الدكتور حسام أبو صفية كواحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلاماً في قطاع غزة. طبيب اختار البقاء إلى جانب مرضاه حين كان الرحيل أسهل، فدفع ثمناً باهظاً لذلك.
واليوم، ومع تجديد اعتقاله الإداري واستمرار المخاوف على وضعه الصحي، تتجدد الأسئلة ذاتها: كم يحتاج العالم من الأدلة ليتحرك؟ وكم من الألم يجب أن يُوثق قبل أن يُسمع صوت طبيب لم يطلب سوى أن يبقى إلى جانب مرضاه؟
تبقى صورة الدكتور حسام شاهداً على رحلة طويلة من الصمود والتضحية، ورسالة مفتوحة إلى الضمير الإنساني، بأن خلف كل خبر إنساناً ينتظر العدالة والحرية.
وفي كل شهادة تتكرر الحكاية نفسها: طبيب أطفال اختار البقاء إلى جانب مرضاه، فكان جزاؤه الاعتقال والمعاناة. شقيقته تصف صدمة الصورة، وشقيقه يروي تفاصيل صموده، وزملاؤه يؤكدون أنه بقي حتى اللحظة الأخيرة يؤدي واجبه.
واليوم، وبينما تتواصل المناشدات للإفراج عنه، تبقى قصة الدكتور حسام أبو صفية شاهداً حياً على زمن كامل من الألم والصمود، وقصة إنسان لم يغادر مرضاه حتى النهاية، مهما كان الثمن.
