لم تعد أزمة المواصلات في قطاع غزة مجرد مشكلة تنقل يومية، بل تحولت إلى معاناة مركبة تثقل كاهل المواطنين والسائقين على حد سواء؛ فبعد تدمير أعداد كبيرة من المركبات ونفاد الوقود وارتفاع أسعار الزيوت وقطع الغيار بشكل غير مسبوق، أصبحت رحلة الوصول إلى المستشفى أو مكان العمل أو حتى زيارة الأقارب مهمة شاقة قد تستغرق ساعات طويلة سيراً على الأقدام تحت أشعة الشمس الحارقة.
ومنذ اندلاع الحرب وما تبعها من حصار خانق ونقص حاد في الوقود وقطع الغيار، تحولت المواصلات في قطاع غزة إلى واحدة من أكثر الأزمات إيلامًا وتعقيدًا في حياة المواطنين؛ فبعد أن كانت المركبات العامة والخاصة وسيلة تنقل اعتيادية، أصبحت اليوم رفاهية يصعب الوصول إليها في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وشح الوقود والزيوت وتلف المركبات بفعل الظروف القاسية.
في شوارع غزة التي أنهكتها الحرب وامتلأت بالحفر والدمار، باتت السيارات العاملة قليلة، فيما ارتفعت تكاليف تشغيلها إلى مستويات تفوق قدرة السائقين والمواطنين، وأمام هذا الواقع القاسي، ظهرت حلول بديلة فرضتها الضرورة، فعادت الكارات التي تجرها الحيوانات، والحمير، والعربات البدائية لتصبح وسيلة نقل يعتمد عليها آلاف المواطنين يومياً.
ومع تراجع قدرة سيارات الأجرة والمركبات العمومية على العمل، اضطر آلاف المواطنين إلى البحث عن حلول بديلة تمكنهم من الوصول إلى أعمالهم ومستشفياتهم ومراكز توزيع المساعدات أو حتى زيارة أقاربهم.
وفي مشهد أعاد الذاكرة لعقود مضت، عادت العربات التي تجرها الحيوانات "الكارات" والحمير لتتصدر مشهد الطرقات، بعدما أصبحت الخيار الوحيد المتاح لكثير من السكان.
وبين مواطن يبحث عن وسيلة توصله إلى وجهته، وسائق يحاول إبقاء مركبته على الطريق رغم الأعطال وغلاء المستلزمات، تتجسد صورة جديدة للحياة في غزة، عنوانها التأقلم مع المستحيل والبحث عن أي وسيلة للاستمرار.
يقول المواطن محمد أبو رحمة: "إن الحصول على وسيلة مواصلات أصبح أمراً بالغ الصعوبة، موضحاً أن المواطن بات أمام خيارين فقط؛ إما السير لمسافات طويلة أو انتظار عربة بدائية أو وسيلة نقل نادرة تمر في الطريق.
وأضاف: "إن رحلة قصيرة كانت تستغرق دقائق أصبحت تحتاج إلى أكثر من ساعة ونصف من الانتظار والمشقة، خاصة في ظل الحر الشديد وانعدام وسائل النقل المنتظمة.
ويشير إلى أن الكثير من المواطنين يواجهون مشكلات إضافية تتعلق بآليات الدفع والتحويلات المالية، ما يزيد من معاناتهم اليومية أثناء التنقل.
ويقول: "إن أزمة المواصلات أصبحت جزءًا من معاناة المواطنين اليومية، موضحًا أن الوصول إلى أي مكان يتطلب ساعات طويلة من الانتظار أو المشي لمسافات شاقة.
وأضاف أن الخيارات المتاحة باتت محدودة للغاية، فإما السير على الأقدام أو استخدام العربات التي تجرها الحيوانات، في ظل غياب وسائل النقل المعتادة وصعوبة الدفع عبر التطبيقات الإلكترونية بسبب ضعف الإنترنت ومشكلات المحافظ الإلكترونية.
أما المواطنة تغريد زعرب فتؤكد أن أزمة المواصلات أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. وتوضح أنها خرجت منذ ساعات الصباح الباكر للتنقل بين المستشفيات، لكنها أمضت ساعات طويلة في الانتظار والمشي بسبب غياب السيارات ووسائل النقل.
وتقول إن المواطنين يضطرون للسير لمسافات طويلة تحت الشمس الحارقة، بينما تعتمد بعض المناطق على الكارات التي تجرها الحيوانات كحل مؤقت للوصول إلى الوجهات المختلفة. وتضيف أن همّ العودة إلى المنزل أصبح يشغل تفكير الناس طوال اليوم بسبب صعوبة الحركة والتنقل.
فتؤكد أنها أمضت يومًا كاملًا في التنقل بين المستشفيات دون أن تجد وسيلة مواصلات مناسبة. وتقول إنها اضطرت للسير لمسافات طويلة تحت أشعة الشمس بسبب قلة المركبات العاملة، مشيرة إلى أن المواطنين باتوا يعتمدون على الكارات والدواب للوصول إلى وجهاتهم بعد أن أصبحت وسائل النقل التقليدية شبه غائبة عن الشوارع.
من جانبه، يوضح السائق عماد النجار أن قطاع النقل يواجه أزمة خانقة نتيجة النقص الحاد في الزيوت وقطع الغيار وارتفاع أسعار الوقود. ويشير إلى أن تكاليف تشغيل السيارة تضاعفت عشرات المرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، حيث أصبحت الزيوت وقطع الغيار نادرة وباهظة الثمن.
فيما يعاني السائقون من صعوبة الحصول على وقود بشكل منتظم. ويؤكد أن المركبات تتعرض لأعطال متكررة بسبب تأخير الصيانة واستخدام مواد بديلة منخفضة الجودة، الأمر الذي يهدد بخروج المزيد من السيارات من الخدمة.
كما أوضح أن أصحاب المركبات يواجهون تحديات هائلة تتمثل في الارتفاع الجنوني لأسعار الوقود والزيوت وقطع الغيار.
ويشير إلى أن كثيرًا من السيارات تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب، بينما أصبحت صيانة المركبة الواحدة تتطلب مبالغ تفوق قدرة السائقين على تحملها. ويضيف أن الإطارات والزيوت باتت نادرة وباهظة الثمن، ما أدى إلى تعطل أعداد كبيرة من المركبات وخروجها من الخدمة.
من جهة أخرى يفيد السائق خليل بارود إن السائقين يعيشون ظروفاً قاسية للغاية، موضحاً أن كثيراً من المركبات تعمل منذ أشهر دون تغيير الزيوت اللازمة بسبب ارتفاع أسعارها وعدم توفرها.
ويشير إلى أن الكوشوك وقطع الصيانة الأخرى أصبحت تشكل عبئاً مالياً هائلاً، في وقت يعجز فيه المواطنون عن تحمل أجور نقل مرتفعة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. ويضيف أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى توقف أعداد أكبر من السيارات عن العمل، ما يفاقم أزمة التنقل في القطاع.
ويؤكد أن استمرار أزمة الزيوت وقطع الغيار يهدد بتوقف المزيد من المركبات عن العمل. ويقول إن السائقين يحاولون الاستمرار في خدمة المواطنين رغم الظروف الصعبة، لكن تكاليف التشغيل المرتفعة جعلت المهمة شبه مستحيلة، خاصة مع تدهور الطرقات واستمرار الأعطال اليومية.
وفي ظل هذه الظروف، برزت الكارات التي تجرها الخيول والحمير كأحد أبرز الحلول البديلة للمواصلات.
ويقول المواطن أبو أحمد، وهو صاحب عربة تجرها الخيول، إن الطلب على الكارات ازداد بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، حيث أصبحت وسيلة يعتمد عليها المواطنون للوصول إلى الأسواق والمستشفيات ومراكز توزيع المساعدات. ويضيف أن هذه الوسيلة، رغم بساطتها، ساهمت في تخفيف جزء من أزمة التنقل التي يعيشها السكان.
أما المواطن إبراهيم السواركة، الذي يستخدم الحمار للتنقل بين المناطق المختلفة، فيؤكد أن الكثير من العائلات باتت تعتمد على الحيوانات في التنقل ونقل الاحتياجات الأساسية. ويقول إن هذه المشاهد التي كانت نادرة في السابق أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في غزة نتيجة غياب البدائل الأخرى.
ويشير الحاج أبو محمود إلى بأنه يستخدم الكارة بشكل شبه يومي للوصول إلى عمله، موضحاً أن الانتظار الطويل للسيارات دفعه للبحث عن أي وسيلة متاحة توفر الوقت والجهد. ويؤكد أن الكارات والحمير أصبحت تمثل حلاً اضطرارياً فرضته الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع.
أما صاحب إحدى ورش إصلاح الإطارات فيوضح أن الطرق المدمرة والحفر المنتشرة تسببت في زيادة كبيرة بأعطال الإطارات. ويؤكد أن نقص المواد الخام وعدم دخول مستلزمات الصيانة أجبر العاملين في المهنة على إعادة استخدام بعض المواد وتقليل كميات الإصلاح المتاحة، في محاولة للاستمرار بخدمة المواطنين والسائقين.
أما المواطن خالد فيؤكد أن استخدام الكارة لم يعد خيارًا ثانويًا بل أصبح ضرورة فرضتها الظروف. ويقول إن الكثير من العائلات تعتمد عليها لنقل كبار السن والمرضى والأمتعة، خاصة في المناطق التي تضررت فيها الطرق أو تقل فيها وسائل النقل الأخرى.
ويضيف سائق الكارة محمود محمد أن هذه الوسيلة ساعدت في التخفيف من معاناة الناس، رغم بساطتها. ويوضح أن العربات التي تجرها الحيوانات أصبحت تنقل يوميًا عشرات المواطنين بين مناطق النزوح والأسواق والمراكز الصحية، بعد أن كانت تستخدم سابقًا لأغراض محدودة فقط.
ويشير المواطن إبراهيم سالم إلى أن المشهد الحالي يعكس حجم التراجع الذي أصاب قطاع النقل، فبعد سنوات من الاعتماد على السيارات والحافلات، عاد السكان إلى استخدام وسائل تقليدية بسبب غياب البدائل، مؤكدًا أن المواطنين يتمنون عودة الوقود وقطع الغيار لتخفيف هذه المعاناة المستمرة.
ورغم قدرة الحلول البديلة على سد جزء من احتياجات المواطنين، فإنها تبقى حلولًا مؤقتة لا تستطيع تعويض شبكة النقل الطبيعية. وبين طرقات مدمرة، ومركبات متوقفة، ووقود شحيح، يواصل سكان غزة البحث يوميًا عن أي وسيلة تقربهم من وجهاتهم. وفي مشهد تختلط فيه الكارات بالسيارات المتهالكة والمارة على الأقدام، تتجسد واحدة من أقسى صور المعاناة الإنسانية التي فرضتها الحرب، حيث تحولت رحلة التنقل البسيطة إلى معركة يومية يخوضها المواطن للوصول إلى أبسط حقوقه في الحركة والحياة.
ورغم أن الكارات والحمير والعربات البدائية وفرت حلولاً مؤقتة لأزمة التنقل، فإنها تعكس حجم التراجع الذي أصاب قطاع المواصلات في غزة نتيجة الحرب والحصار. وبين مواطن يمشي لساعات طويلة، وسائق يكافح لإبقاء مركبته على الطريق، تبقى أزمة المواصلات شاهداً جديداً على واقع إنساني بالغ القسوة. وفي الوقت الذي يبحث فيه الغزيون عن أي وسيلة توصّلهم إلى وجهاتهم، تبدو الحاجة ملحة لإيجاد حلول جذرية تعيد تشغيل قطاع النقل وتخفف من معاناة مئات الآلاف الذين تحولت أبسط رحلاتهم اليومية إلى رحلة شاقة من التعب والانتظار.
