غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

ليست رفاهية إنها كرامة

أزمة الفوط الصحية.. معاناة شهرية للنساء بغزة تتحول إلى أزمة إنسانية صامتة

شمس نيوز - نضال أبو شربي

قد يبدو تناول موضوع يرتبط باحتياجات النساء الأساسية داخل المجتمع الغزي أمراً غير مألوف أو محاطاً بحساسية اجتماعية، في ظل طبيعة مجتمع محافظ تسود فيه اعتبارات ثقافية واجتماعية صارمة تحكم النقاش العلني حول هذه القضايا، غير أن واقع النساء في قطاع غزة، تحت وطأة حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م، وما نجم عنها من تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية، جعل من هذا "الصمت الاجتماعي" -إن جاز لنا التعبير- غير قابل للاستمرار، بعدما تحولت هذه الاحتياجات إلى أزمة يومية تمس الصحة والكرامة الإنسانية على حد سواء.

وفي هذا السياق، وبأسعار باتت تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال، تحولت الفوط الصحية في قطاع غزة من سلعة أساسية إلى مادة شحيحة تكاد تختفي من الأسواق، في ظل انهيار القدرة الشرائية لمئات الآلاف من العائلات التي فقدت مصادر دخلها.

كما تشهد الأسواق المحلية نقصاً حاداً في السلع الأساسية وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، ما جعل الفوط الصحية نادرة، وإن توفرت فإن أسعارها تجاوزت قدرة غالبية الأسر، لتضيف عبئاً جديداً إلى سلسلة أزمات معيشية متفاقمة.

تقول أم العبد، وهي أم لأربع فتيات من مدينة غزة، إن الأزمة تجاوزت حدود القدرة على الاحتمال.

وتضيف: "كنا نشتري العبوة بخمسة شواكل قبل الحرب، أما اليوم فقد تصل إلى عشرات الشواكل إن وُجدت أصلاً، ونحن أربع بنات في البيت ولا يوجد أي دخل".

وتشير إلى أن استمرار الأزمة يدفعهن في كثير من الأحيان إلى الاستغناء عن الفوط تماماً، في محاولة لتجاوز الأيام الصعبة، مضيفة أن الدورة الشهرية تحولت إلى عبء نفسي وجسدي إضافي.

ومع استمرار الأزمة، تلجأ العديد من النساء إلى بدائل بدائية تفرضها الضرورة، رغم ما تحمله من مخاطر صحية.

وتوضح أم العبد أنها وبناتها يبحثن بين ركام المنازل عن أي قطعة قماش يمكن استخدامها، ثم يتم غسلها وقصها إلى أجزاء صغيرة ووضع عدة طبقات داخل الملابس، وهي ما تُعرف محلياً بـ(الشرايط)".

وتلفت إلى أن إعادة استخدامها في ظل شح المياه والصابون يؤدي إلى مشكلات صحية وآلام متواصلة.

ومع استمرار الأزمة، وتراجع الخدمات الصحية وانعدام الخصوصية داخل الخيام ومراكز الإيواء، تضطر غالبية النساء لاستخدام هذه البدائل البدائية رغم إدراكهن للمخاطر الصحية المترتبة على ذلك.

في أحد مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، تقول أم محمد إنها لم تتمكن من الحصول على فوط صحية منذ أشهر.

وتوضح أنها باتت تستخدم القماش أو أجزاء من البطانيات بعد غسلها، بعدما كانت تظن في البداية أن الأمر مؤقت، غير أن الأزمة امتدت لفترة أطول من المتوقع.

وتشير إلى أنها وابنتها تعرضتا لالتهابات جلدية مؤلمة نتيجة غياب وسائل النظافة، في وقت لا يتوفر فيه أحياناً الماء الكافي للغسل أو الاستحمام.

من جهته، يقول أبو أحمد، وهو نازح من شمال قطاع غزة، إن تأمين الفوط الصحية لبناته بات مهمة شبه مستحيلة.

ويضيف: "أبحث في الأسواق فلا أجدها، وإن توفرت يكون سعرها مرتفعاً جداً ولا أستطيع شراءها".

ويلفت إلى أنه اضطر لاستخدام ملابس قديمة وقمصان قطنية بعد قصها، معتبراً أنه لم يتخيل أن يصل الوضع إلى هذا الحد.

وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن هذه المعاناة لا تقتصر على حالات فردية، بل تشمل مئات الآلاف من النساء والفتيات في القطاع.

وتشير بيانات المؤسسات الأممية إلى أن مئات الآلاف من النساء والفتيات في سن الحيض يواجهن نقصاً حاداً في مستلزمات النظافة الشخصية والصحة الإنجابية، كما أن الكميات المتوفرة من الفوط الصحية لا تغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الفعلية، في وقت تعاني فيه الأسر من شح المياه وانهيار البنية الصحية والخدمات الأساسية.

وتقول مرام، وهي فتاة في السابعة عشرة من عمرها، إن غياب المستلزمات الأساسية يفرض عزلة قسرية خلال أيام الدورة الشهرية، وتضيف: "أبقى داخل الخيمة لأيام لأنني لا أملك ما أحتاجه، وأشعر أننا خارج الاهتمام".

وتشير إلى أن الاهتمام ينصب على الغذاء والماء، في حين تبقى احتياجات أخرى للنساء خارج دائرة الأولوية.

وفي المحصلة، لم تعد الدورة الشهرية مجرد حالة بيولوجية، بل تحولت إلى تحدٍ يومي إضافي يثقل حياة النساء والفتيات في قطاع غزة، في ظل واقع إنساني متدهور تتداخل فيه الحاجة مع الحرمان.

وخلف كل قطعة قماش تُستخدم بديلاً عن الفوط الصحية، تتشكل تفاصيل معاناة صامتة، بينما تبقى آلاف النساء محرومات من حق أساسي في الصحة والكرامة والأمان تحت وطأة الحرب المستمرة.